الرئيسية / مقالات وآراء / اللحمة الإجتماعية ورهانات الوحدة الوطنية في موريتانيا “ح1”

اللحمة الإجتماعية ورهانات الوحدة الوطنية في موريتانيا “ح1”

نواكشوط 07يوليو 2020 ( الهدهد .م .ص)

يرجع مفهوم اللحمة من حيث الأصطلاح اللغوي إلى فعل لحم حيث يقال لحم الحداد الباب أي الصق أجزاءه، ولحم الشخص الأمر أحكمه واصلحه .

وقد استخدم هذا المفهوم ضمن سياقات مختلفة،إقتصادية و إجتماعية وثقافية وسياسية وقانونية وإعلامية ، وارتبط إلى حد كبير بمفهوم الوحدة الوطنية.

على رغم أنه لا يوجد تعريف جامع موحد لمفهوم الوحدة الوطنية ، فإنها تحيل إلى مفاهيم محددة مثل الأنتماء والولاء والمواطنة والتي هي في الأساس مفاهيم متداخلة وتصب كلها في توفير الأسس الموضوعية التي لا يمكن أن يقام اي بناء وحدوي إلا على أساسها.

وتأسيسا عليه ، فإننا نعتبر أن الوحدة الوطنية هي اندماج اجتماعي بين شرائح المجتمع كافة تحت حكم واحد ضمن وحدة ترابية وفي ظل دولة واحدة يدينون لها بالولاء والأنتماء والحب ويسهرون على بنائها من أجل تحقيق مصلحة واحدة ومشتركة.

وهذه الوحدة ينظر إليها الجميع بأنها خط أحمر لا يسمح لأي كان أن ينال منها ، وتشكل في الوقت الراهن هاجسا رئيسا يشغل بال السياسيين والأجتماعيين وصناع القرار السياسي والسلطة التنفيذية والتشريعية على حد السواء .

وقد ذهب بعض المفكرين المهتمين بالشأن الاجتماعي إلى اعتبار الوحدة الوطنية بأنها تعبير عن مجموعة من القيم الروحية والأخلاقية قبل كل شيء ، وأنها نتاج لمرحلة من مراحل تطور الأمة يشترك فيها أفرادها في أمجاد الماضي ورغبات الحاضر وآمال المستقبل.

وعلي ذكر الماضي سوف نتوقف عند محطات ثلاثة من تاريخنا الحديث والمعاصر بدءًا بفترة ماقبل الاستعمار، مرورًا بالعهد الاستعماري، وانتهاءا بمرحلة الدولة المستقلة وذلك من أجل استجلاء الحقيقية وإبراز مكامن الاختلالات التي تحول دون الوصول إلى الوحدة الشاملة المنشودة. ١-مرحلة ماقبل الاستعمار لقد عرفت البلاد الموريتانية خلال الفترة الحديثة من تاريخها هجرة القبائل العربية المعقلية المعروفة محليا( بقبائل بني حسان) والتي وصلت طلائعها الأولى منطقة ٱدرار سنة ١٥٠٩م .

وقد أثرت هذه الهجرة بطابعها المتميز علي مجريات الأمور بالمنطقة على أكثر من صعيد بعد تمكن هذه القبائل من بسط سيطرتها السياسية والأجتماعية عن طريق هيمنتها على المجال الترابي في أواخر القرن ١٧ م .

وقد أسست كيانات سياسية خاصة بها عرفت باسم الإمارات البيظانية في كل من ٱدرار ( إمارة اولاد يحيى بن عثمان) واترارزة( أولاد أحمد بن دامان) ولبراكنة( أولاد عبد الله) وفي الاراضي الممتدة من تكانت باتجاه الحوضين( إمارة أولاد امبارك) وفي مرحلة لاحقة قامت ( إمارة ادوعيش)في تكانت.

وتأتي كل هذه التطورات تزامنًا مع تحول مركز الثقل الأقتصادي والأجتماعى والسياسي نحو الساحل الأطلسي والمناطق المحاذية له خلال القرن ١٦م.

وذلك بفعل ازدهار التجارة الأطلسية التي اصبحت تلقى رواجًا كبيرًا لدى السكان المحليين ولدى الانكليز والفرنسيين والهولنديين على وجه الخصوص الذين أسسوا مراكز للتبادل التجاري على  هذه السواحل أهمها:( بورتانديك وٱركين وسانلويس ).

وقد كانت الشركات التجارية التابعة لهذه الدول تدفع إتاوات لأمراء البيظان مقابل تأمين عمليات التبادل التجاري في هذه المراكز وهو ما اعتبر وقتها اعترافًا ضمنيا من هذه الدول بمشروعية النظام الأميري القائم و بفعاليته.

لقدأرتبطت هذه الإمارات بعلاقات ودية مع المجموعات الزنجية وأقامت تحالفات قوية معها، وهو مايمكن اعتباره شواهد تاريخية حية على أن التعدد الإتني والثقافي لم يكن يطرح مشكلة ولا يمكن اعتباره عائقا أمام توحيد المجموعات الأجتماعية لتحقيق مصالحهم المشتركة.

فعلي سبيل المثال، قام محمد الحبيب أمير اترارزة بعقد تحالفات قوية مع إمارة والو ووطد أواصر اللحمة الأجتماعية معها من خلال المصاهرة.

وقد سار على هذا النهج أمراء لبراكنة الذين نسجوا علاقات أخوة وتضامن وتحالف قوية مع مجموعات نافذة من قبائل الفلان التي تقطن مجال الإمارة.

هذا في حين امتازت العلاقات بين أمراء إدوعيش وقبائل الصوننكي والفلان في كل من كيديماغا ولعصابه بالجدية والفاعلية حيث كانوا سندهم في كل القضايا المصيرية ويلعبون إلى جانب ذلك دورا محوريًا في توطيد اللحمة الأجتماعية عبر علاقات السلم وحسن الجوار التي ربطتهم مع سائر قبائل المنطقة.

اضف إلى ذلك أن العامل الديني هو الٱخر  شكل رافدا مهمًا من روافد هذه الوحدة بين هذه المجموعات وذللك من خلال انتشار المذهب المالكي السني الذي ساد تقريبًا في كامل منطقة الغرب الإفريقي وفي جنوب الصحراء،وهو ماساهم في انتشار الثقافة العربية الإسلامية وعلومها على نطاق واسع واعتماد اللغة العربية لغة رسمية للمعاملات التجارية والمراسلات وتوثيق المعاهدات والعقود.

كما لعبت الطرق الصوفية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ادوارا بارزة في تضييق الهوة بين جميع المكونات الأجتماعية ووفرت إطارا مناسبًا لرتق النسيج الاجتماعي من خلال تعميق العلاقات مابين قبائل البيظان أنفسهم بينهم من جهة وبين المكونات الزنجية من جهة أخرى .

وقد اثرت هذه الطرق تأثيرا إيجابيا داخل البلاد وخارجها واستمر اشعاعه الثقافي والدينى حتى مجيئ الأستعمار وخضوع البلاد للإدارة المباشرة الأستعمارية.

بقلم : د .محمد الراظي ولد صدفن أستاذ بجامعة نواكشوط العصرية.

التعليقات
%d مدونون معجبون بهذه: