ملاحظات من لقاء الدكتور إسحاق الكنتي علىttv … محمد الكوري ولد العربي.

تابعت الليلة البارحة بعضا مما جاء في مقابلة الدكتور محمد إسحاق الكنتي على قناة( تي تي في) … و من نافلة القول إنه كان لقاء ممتعا و مفيدا، فالرجلان متمكنان من الموضوع ، عنوان الحلقة، الإسلام السياسي. لكن علقت بي ملاحظات :
١- أن الدكتور محمد إسحاق، في نقده للإديولوجيات و الإديولوجيين الموريتانيين، ذكّرني بما ذكره لي الأستاذ محمد يحظيه ولد ابريد الليل، رحمه الله، ٢٠٠٥؛ فقد قال إنه في أحد لقاءاته الخاصة مع الرئيس السابق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع ذكر له استهجانه و استغرابه من الشباب الموريتانيين الذين يتعلقون بأفكار و شخصيات بعض الزعماء العرب و حتى الشخصيات الفكرية و السياسية العالمية مثل جمال عبد الناصر، و صدام حسين ، و حسن البنا، و جيفارا و ماو اتسيكونغ… بينما لم يرفعوا أفكار و صور زعماء بلدهم؛ و كان يشير، بحسب الراحل ابريد الليل، بلغة جسده إلى نفسه، إلى معاوية نفسه. فالدكتور الكنتي كثيرا ما انتقد النخبة الموريتانية المؤدلجة دون أن يقدم البديل للفكر و للزعماء … و معروف أن الإعجاب و الاقتداء لا يحصلان بالمجان و إنما بما يلبيانه من حاجة مفقودة، على مستوى الرمز و المعنى، لدى المعجبين و المقتدين . فهل الدكتور على علم بوجود فكر سياسي موريتاني ناضج يستوفي شروط قابليات التمثل و الاقتداء ، و على اطلاع بنموذج في النضال و التضحية في سبيل قضايا كبرى، محليا أو قوميا أو عالميا، يغنيان عن الفكر السياسي العالمي و رموز النضال فيه ، خصوصا أن الدكتور ملم بواقع نخبة بلادنا ، التي تنقسم إلى مجموعتين: مجموعة حشرت نفسها في شرنقة النفاق السياسي للأنظمة، و مجموعة غرقت في الصراعات بين القبائل ، و حتى في الصراع داخل القبيلة الواحدة، و قد يكون داخل الفخذ الواحدة! و قد رأينا، من بين شبابنا المتعلمين و الأكاديميين من خرج عما يسميه “ضيق” الإديولوجيا إلى “سعة” التنافس القبلي… و كرنفالاته و اجتماعاته!
٢- كيف للدكتور، و قد ذكر أنه منفتح على جميع الأفكار و الرؤى، أن يضيق صدره بالانفتاح على الفكر العالمي و يسعى لفرض غيتوهات قطرية ضيقة على الموريتانيين، خاصة في غياب بديل سياسي و فكري قطري منافس؟ أما ما يطلبه من تبيئة للفكر الإديولوجي بحيث يستجيب لخصوصية المجتمع، فهو مطلب شرعي و وجيه، و لكني أحسب أن عزوف الدكتور عن الانتماء التنظيمي لأي تيار إديولوجي كان مبالغا فيه إلى حد أنه لم يطلع بما يناسب مستواه، هو، على أدبيات كل حركة إديولوجية ؛ فلو تخلى عن بعض الصرامة في الانكفاء على ذاته، لرأى أن كل حركة قد بيأت خطابها في ما يتعلق بنضالها الوطني و الاجتماعي… فعناوين النضال و أهدافه و لغته و أساليبه حملت حصريا سماتها و خصائصه المجتمعية… و ما على الدكتور إلا أن يعبر الخط الفاصل، داخل بنية الخطاب السياسي ، بين النضال الوطني و الاجتماعي، و النضال القومي بالنسبة للقوميين، و النضال الاجتماعي و النضال العالمي بالنسبة للماركسيين …
٣- المسألة التي توقفت عندها، بارتباك، هي ربط الدكتور مبدأ الهوية بظروف النصر و الهزيمة ، و الانتعاش السياسي أو التراجع السياسي، بينما الهوية عموما ،و هوية الشعوب خصوصا، لا شأن لها بالمعارك و القتال و الهزيمة و النصر… فهي قدر الشعوب المحبب، الذي لا تتنازل عنه تحت أي ظرف، و لا تقبل فيه تعويض. فكما لا يستطيع شخص أن يعتبر نفسه مهزوما في هويته الشخصية إذا خسر عراكا أو انتابته خيبة أمل في ظرف، فكذلك الشعوب!
و هذا اللبس في مفهوم الهوية و اعتبارها جلدا أو غطاء قابلا للخلع و الاستغشاء تحت نوعية الطقس السياسي ، هو ما وقع فيه بعض جيل القوميين العرب في موريتانيا ١٩٦٨ ، حين خلعوا جلد الانتماء القومي العربي عنهم بسبب هزيمة مصر في حربها مع الكيان الصهيوني ، و تحولوا إلى الانتماء الفكري الماركسي و اتروتسكي ، ظنا منهم أن الانتماء القومي خيار سياسي و فكري يستجلب بالعاطفة و يرمى بالانكسار، كأشياء الموضة! فبقوا عربا بمحتوى صيني، او اسلافي… كما وقع في هذا الخطأ الفادح الراحل معمر القذافي، رحمه الله، حين انقلب على انتمائه القومي العربي و استبدل به انتماء إفريقيا- زنجيا، احتفاء بموقف زعماء أفارقة اتجاه ليبيا، في سورة غضب على موقف الحكام العرب من الحصار على ليبيا، فاعتبر القذافي الانتماء القومي العربي سربالا خلعه و طمره في الرمل الليبي، نكاية بحسني مبارك و مشيخات الخليج! هذا الفرق في الوعي القومي هو ما ميز الشهيد صدام حسين عن القذافي، رحمهما الله، فبالرغم مما تعرض له العراق من تآمر الحكام العرب و حصارهم و شراكتهم مع الغزاة الأجانب… لم يصدر عن صدام و لا عن أي قيادي بعثي أي ارتداد أو تنكر أو تخلي عن انتمائهم القومي العربي، لإدراكهم بأن هذا الانتماء لا صلة له بتصرفات الحكام و لا بهزيمة في حرب أو خسارة لمعركة! و الأغرب أن يحسب الدكتور ، فرضا، هزيمة العراق عسكريا أمام تحالف عالمي تقوده أعتى الامبراطوريات، على مر التاريخ ، عسكريا و اقتصاديا، بالشراكة مع ذوي القربى في الرحم و الدين، أن يحسبه هزيمة فكرية أو تراجعا فكريا!!.
تراجعا ماديا، نعم!
الملاحظة الأخرى، و التي لم يتوقف عندها الأستاذ حنفي دهاه في اعتقادي بما يكفي، هي كلام الدكتور الكنتي عن الإسلام و علاقته بالدولة ، فعن أي إسلام يتكلم الدكتور: عن الإسلام الإخواني؟ الإسلام السلفي- الوهابي؟ الإسلام الداعشي؟ الإسلتم القاعدي؟ الإسلام الصوفي، و وفق أي طريقة؟ إسلام أهل الدعوة و التبليغ؟ … ثم كيف تتعامل الدولة، كما هي اليوم سواء سميناها بالحديثة أو بغيرها، إزاء هذا التعدد المتنوع في الأديان و المذاهب حد التنافر ؟ فمثلا، إذا أضفنا إلى التعددية داخل المذهب الديني السني الواحد التعددية داخل المذهب الشيعي، و أضفنا إلى الجميع فئة النصارى من الشعب الواحد، و التعدد المذهبي في النصرانية، و أضفنا فئة اليهود من الشعب، و أضفنا الصابئة… و غير المتدينين … فكيف عمل الدولة مع شعب واحد من جهة، و أخلاط دينية و مذهبية و غير متدينين من جهة أخرى؟ و إذا أبعدنا مفهوم العلمانية بالمعنى الغربي، الفرنسي خاصة، بوصفه إبعاد للدين كليا من الحياة العامة، فماذا نسمي الموقف الحيادي للدولة إزاء هذه الأخلاط المذهبية و الدينية و اللادينيين، داخل مجتمع دولة واحدة…؟. يبدو لي أن الدكتور انطلق في تصوره للدولة و المجتمع من واقع موريتانيا اليوم، لكن ما ذا سيكون عليه موقف الدكتور غدا إذا أصبحت موريتانيا بهذا التعدد.. هذه الفسيفساء، على صورة الدولة في العراق و سوريا و السودان … ؟
—-
خارج هذه الملاحظات ، ذكر الدكتور أن الجنيد ، المتصوف، لم يكن محبوبا من أهل السنة، و لا أعرف قصده، لكني أحسب أن الجنيد كان من أهل السنة، قريبا من المذهب الشافعي. و الله أعلم.

مقالات ذات صلة