كابر حمودي يكتب في ذكرى رحيل محمد محمود ولد محمد الراظي

استهل كابر حمودي  مقاله بهذه العبارات  : طالعت في المواقع الألكترونية مقالا تحت عنوان “الوالد محمد محمود ولد محد الراظي في ذكراه” للإعلامي اللامع الحسين ولد مدو، وقد تحدث فيه بأسلوبه الرصين وبراعته المعهودة، عن بعض الخصال والصفات التي ميزت الرجل، مذكرا أصدقاءه وانا منهم بغياب الحبيب وفقدان الصديق ورحيل القائد!
لن أتجاوز الحسين في الوفاء وقد سبقني إلى استحضار ذلك الحدث الجلل في هذه الذكرى المؤلمة، وبالتأكيد لن أكون أبلغ منه وهو العارف بلغة العرب، الموهوب بسحر بيانها وبديعها، الحافظ لقواعدها وثقافتها.
لكن عظمة المصيبة وفداحة الرزء، وتعلقي بشخص المغفور له، كلها أسباب تدفعني إلى الإدلاء ببعض ما يحضرني من مناقب وسجايا هذا الصديق العزيز والأخ الكريم والقائد الشهم، محمد محمود ولد محمد الراظي.
غيبه القدر في ذلك الحادث المؤلم حقا، ولكنه لم يغيب صورته من مخيلتي ولم ينقص من محبته في وجداني ولم يمح مآثره من ذاكرتي.
كيف أنساه وقد سكن في القلب مني، وشكلت لي وفاته المفجعة صدمة نفسية وسياسية لم تزل آثارها بعد!
أجل، ففي ذلك اليوم الاسود، وبينما أنا في طريقي من انواكشوط إلى أحد معابر نهر السنغال، الذي تعودت اجتيازه، لدواع أمنية وسياسية، في تلك الفترة الحالكة من تاريخ بلدنا العزيز؛ فإذا بالهاتف يرن ولا أكاد أسمع رنينه بسبب صوت احتكاك عجلات السيارة بالطريق، وما إن أخذت الهاتف حتى فاجأني أحد الأصدقاء وهو ينعي لي محمد محمود بصوت مبحوح، يغص صاحبه بين الكلمة والأخرى في ما يشبه الحشرجة، من شدة التأثر ، قائلا “محمد محمود ولد محمد الراظي توفي للتو برصاصة انطلقت خطأ من بندقية للصيد كانت بحوزته، عند سد قرب دسق”.
فكررت الاحتساب لله والرجوع إليه وأنا في ذهول تام من هول الصدمة لمدة لحظات، قبل أن أتمالك نفسي وأسترجع بعض قوايا وأطلب من مرافقي، الذي يقود السيارة أن يغير مسار الرحلة إلى قرية لمدن لأبلغ الرئيس الشرعي حينها، سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله بالأمر، وتتحول الوجهة بعد ذلك إلى دسق، بمعية وفد مكلف بتقديم واجب العزاء باسم الرئيس إلى أسرة المغفور له.
وصلت صحبة وفد الرئيس ظهر اليوم الموالي إلى دسق، تلك القرية الوادعة وقد التف أهلها حول أكابر الجماعة بقيادة الشيخ الوقور، الشريف ولد محمد محمود، والإبن الغالي سيدي محمد ولد محمد محمود؛ وهما يتناوبان تارة ويجتمعان تارة أخرى بمعية أفاضل الأسرة بمفهومها الواسع سعة صدر الفقيد؛ وذلك لاستقبال الشخصيات والجماعات الوافدة للتعزية من جميع جهات الوطن ومجموعاته، بمختلف أعراقها وألوانها.
شاهدت حشدا بشريا كبيرا، قلما التأم في بلادنا،خارج انواكشوط، في غير مناسبة سياسية، تنظمها السلطة العليا في البلد.
لمحت وجوها كثيرة لا أعرف أصحابها، ورأيت آخرين أعرفهم من نخب المجتمع الموريتاني؛ بينهم سياسيون، ووجهاء، وفقهاء، ونقابيون، وحقوقيون، وصحفيون، ومسؤولون رسميون، ومواطنون بسطاء من ولاية لعصابه ومن خارجها، يجمعهم الحزن والأسى على فراق الحبيب ورحيل الصديق.
ورغم قصر الوقت الذي امضينا في دسق، فقد انكشف ضعفي، دون قصد في كل مرة أرى فيها شخصا ألفت رؤيته من قبل مع المغفور له.
وألتمس العذر ممن لاحظوا ذلك، فأنا وإن لم أكن من جيل الرجل وتربه، فقد عايشته في أكثر من موقف، وكنت شاهدا على كرمه ونبله وشهامته وطيب عشرته.
وليسمح لي القارئ – هنا – باستحضار أمثلة، ليست حصرية، على المواقف الرجولية لهذا الأسد الحاتمي، المتواضع مع الضعفاء، العنيد مع الأقوياء، الغني بلا مال.
1 – قيل لي إن المغفور له عاد من تجكجة إلى دسق، في حقبة السبعينات، صحبة زوجته أثناء العطلة الصيفية، وهو في عز شبابه، فجاءته سيدة مسخرة للخدمة المنزلية، ولكنه أعرض عن استغلالها وباشر العمل بمساعدة عقيلته التي كانت تتقاسم معه، آنذاك، أفكار اليسار النابذة للعبودية والداعية إلى المساواة والحرية والعدالة…
2- خلال أول انتخابات بلدية في كيفه سنة 1986، حضرالمغفور له إلى مكتب التصويت بقرية كندره، لتمثيل إحدى اللائحتين المتنافستين، وقبل بدء التصويت سأل رئيس المكتب عن ممثلي اللئحتين، فرد عليه المرحوم المختار ولد أحمد عثمان بأنه يمثل إحداهما، وأجابه محمد محمود بأنه حضر لتمثيل الأخرى، ولكنه سيستريح لأن المختار يمثل اللائحتين معا.
فضربت له خيمة ليتحول إلى ضيف شرف في بيت عز وكرم، يعامل بما يناسب مقامه بمعية جلسائه من علية القوم.
ولعل في رده بعد عودته من كندره على أحد زملائه الشباب المندفعين بأجواء الحملة الانتخابية في ذلك الحين، ما يفسر سلوكه الأخلاقي الرفيع، ويبرهن على وعيه الكامل بمقتضيات التاريخ والجغرافيا.
فمناكفة شخصية عظيمة مثل المختار ولد أحمد عثمان، حفيد الأمير العادل، امحمد شين بن خونا، في حدث عابر، لا تناسب حق القربى والجيرة، ولا تليق بشخص مثل محمد محمود ولد محمد الراظي في حق شخص مثل المختار ولد أحمد عثمان!
3 – كنت شاهدا على رفض محمد محمود سنة 1989، في البداية، تولي مسؤولية الأمانة العامة لاتحاد العمال الموريتانيين، بدافع الإيثار؛ إذ ظل متشبثا بترشيح صديقه محمد لمين ولد اسويدان، بعد تعذر تمرير ترشيح زميله النقابي صار ممدو بودي، لأسباب لا يتسع المقام لذكرها. ولم يقبل محمد محمود تغيير موقفه إلا بضغط معظم زملائه وإلحاحهم عليه بضرورة قبول هذا المنصب، إنقاذا لقومه من خسارة انتخابية محتملة، إذا ما أصر على موقفه الرافض لقبول الترشح.
4 – ضرب محمد محمود مثالا رائعا في التضحية والشجاعة أثناء قيادته لاتحاد العمال. وما يزال الكثير من سكان انواكشوط يتذكرون خطب محمد محمود أثناء المهرجانات العمالية التي تعود تنظيمها، خلال عطلة كل أسبوع، في مركز تهذيب العمال للمطالبة بالحقوق المادية والمعنوية للشغيلة، وللتعبئة حول تعزيز الوحدة الوطنية والتضامن بين مكونات شعبنا…
وقد كانت تلك المهرجانات التي توجت بإضراب يوليو 1991، وإن تراجع معظم العمال عن المشاركة فيه لأسباب لست في مقام الحديث عنها، كانت من أهم محركات الوثبة الوطنية التي أفضت إلى دمقرطة الحياة السياسية في البلاد، عبر الإعلان عن قانون الحريات العامة، القاضي بتكريس التعددية الحزبية وحرية الصحافة.
وكان محمد محمود في مقدمة الشخصيات الوطنية التي تصدرت جانب المعارضة من المشهد السياسي الوطني حينئذ. إذ كان من السابقين إلى توقيع رسالة ال 50 ثم رسالة ال 125 شخصية من أعلام البلد المطالبين بالإصلاح. كما كان من أوائل المساهمين في إنشاء الجبهة الديمقراطية من أجل الوحدة والتغيير fduc).
5 – أتذكر أن محمد محمود اتصل ذات مرة، من بوادي بومديد ( بئر الصكعه)، بأحد أصدقائه في انواكشوط، يطلب منه أن يتصل بصديق مشترك لهما في داكار، من أجل التكفل بتسجيل بنت زميله النقابي المتوفى وهو المرحوم (ج). ولما تسنى للبنت التسجيل في جامعة جاستون برجه بسينلوي، بلغني من مصدر موثوق أن بعض الدعم ظل يصلها منه. وذاك مثال على الوفاء والعهد.
6 – أتذكر متابعة المرحوم لدراسة تلميذة أخرى في مؤسسة للتكوين المهني، كنت مسؤولا عن إدارتها في ذلك الوقت. وعند ما تخرجت من المدرسة، سعى رحمه الله سعيا حثيثا من أجل اكتتابها. فكان له ذلك في مكتب دراسات خاص، يديره أحد أصدقائنا. وفي إحدى زياراتي له في منزله في تن اسويلم، خرج لتوديعي ثم وقف أمام منزل متواضع (ابراك) يبعد عن منزله 8 أو 10 أمتار، مبادرا بتقديم التحية لأهل المنزل؛ فردت عليه مرأة كبيرة السلام، وكانت تجلس بجانبها فتاة هي نفسها التي كانت تدرس عندي وكنت شاهدا على انشغاله بأمرها. فسالته عن علاقته بهذه الفتاة التي أوصى زملاءه، في أكثر من مرة، بالبحث عن شغل لها، فأجابني بأنها علاقة الجيرة وهي من أهم العلاقات عنده.
7 – علمت، مرة، بأن إحدى الجهات الفاعلة في انواكشوط، أرسلت إليه وهو في كيفه معونة في حملة رئاسية بمبلغ 10000000 (عشرة ملايين أوقية)، ولم يبرح المبعوث المحمل بالرسالة مجلس محمد محمود في كيفه حتى تم توزيع المبلغ بين الفاعلين من طائفته باستثناء 300000 (ثلاثمائة ألف اوقية)، تم تحديد وجه صرفها، لكنها بقيت عند محمد محمود في انتظار مجيئ المعني بصرفها.
8 – كان محمدمحمود محترما لأصدقائه ولمنافسيه النقابيين والسياسيين، ولغرمائه المحليين على حد سواء، إذ أتذكر في هذا المجال قصتين منفصلتين لهما دلالتهما؛
تعود أولاهما إلى اليومين اللذين سبقا إضراب 18 و19 يوليو 1991, على ما أعتقد. حيث تكرر إصدار بيانات متناقضة من بعض النقابيين، تارة تظهر أسماءهم ضمن قوائم المتراجعين عن الإضراب، وتارة تفند تراجعهم، وتؤكد تمسكهم بالإضراب. فكان رده على ذلك أن دعا أصدقاءه إلى عدم إحراج الزملاء واحترام مواقفهم مهما كان تذبذبها، لأنها تعبر عن قناعتهم؛ فرأيت في ذلك روح التسامح وقبول الاختلاف.
أما القصة الثانية، فتعود إلى يوم واحد قبل رحيله عن الدنيا، حيث هاتفني عشية الليلة التي سبقت وفاته رحمه الله، ليوصيني بضرورة اتصال قادة الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية بوزير سابق يتمتع بتأثير جهوي قوي، ولكنه يعتبر غريما سياسيا له، وحرص أثناء المكالمة على التنويه بأهمية التعاون مع المعني، على المستوى الوطني وخاصة في لعصابه؛ وذلك بناء على معلومات منقولة عن شخص مقرب من الوزير، مفادها أن الرجل ما زال ضمن الشخصيات الوطنية المترددة في دعم الانقلاب.
وختم حديثه بخاتمته الملازمة “مونتك لله،إعافين وعافيكم”. فاستحسنت في داخلي تنويهه بغريم سياسي محلي يتقاسم معه التأثير في محيط اجتماعي مشترك وبلغت الرسالة!
9 – لم يسجل على محمد محمود ولد محمد الراظي حسب ما أجمع عليه زملاؤه، انه تخلف عن الاستجابة لأي استحقاق وطني، منذ التحاقه بالعمل السياسي والنقابي، ولم تتأثر مواقفه الوطنية بمسؤولياته الاجتماعية، وهو ما تدل عليه مواقفه النضالية المشهودة في اتحاد العمال، ورفضه للانقلاب على الشرعية سنة 2008، غير آبه بمصالحه الشخصية، مضحيا بما كان يتلقى من امتيازات مترتبة على رئاسته لمجلس إدارة ميناء الصداقة.
ذلكم هو محمد محمود ولد محمد الراظي، الذي ارتوى من معين الأخلاق، وتشبع بالقيم، وسما بالمبادئ.
رحمه الله، وجعل جنة الخلد مأواه، وطيب ثراه، وحشره في زمرة الصديقين، والشهداء، والصالحين، وجعله من المؤمنين المشمولين بقوله تعالى ” من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا ” صدق الله العظيم.

المدير العام السابق لإذاعة موريتانيا السيد : كابر ولد حمودي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً