رأي …*«بين واقعية البنية القبلية وضرورة ترسيخ منطق الدولة والمواطنة»*

 

أُثمّن عالياً الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة بقيادة فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، من أجل تحسين ظروف عيش المواطن، من خلال تعزيز برامج الدعم الاجتماعي، وتوسيع التغطية الصحية، والرفع التدريجي من الرواتب والمعاشات، والاستثمار في التعليم والبنية التحتية، وهي خطوات جادة تعكس إرادة سياسية واضحة لبناء دولة قوية، عادلة، وقائمة على مبدأ المواطنة والإنصاف الاجتماعي.
إلا أن الحديث عن التخلي عن البنية القبلية يظل، في الظرف الراهن، سابقًا لأوانه وغير واقعي، لأنها تبقى إطارًا اجتماعيًا يوفر الحد الأدنى من التضامن والحماية للمواطن البسيط.
غير أنّ هذا الدور الاجتماعي مهما كانت مشروعيته، لا ينبغي أن يتحول إلى أداة تمسّ بالمصلحة العليا للوطن، أو أن يؤثر على وحدة الدولة، أو يعلو على منطق المواطنة وسيادة القانون.
ومن هذا المنطلق، فإنني أرى ان خطاب فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، قد تعرض لتأويل مغلوط إذ لم تكن الدعوة إلى التخلي عن القبيلة أو التنكر لها، وإنما رسالة سياسية واضحة مفادها أن الانتماء القبلي يجب أن يبقى في إطاره الاجتماعي الطبيعي وألا يتحول إلى بديل عن الدولة ولا إلى أداة تفرغ مفهوم المواطنة من محتواه.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي المطروح اليوم لا يكمن في صراعٍ مفتعل بين القبيلة والدولة، بل في حسن إدارة هذا الواقع الاجتماعي ضمن رؤية وطنية جامعة، تُرسّخ هيبة الدولة، وتُعلي من شأن القانون، وتضمن العدالة وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز. فالدولة القوية لا تُبنى بإلغاء الوقائع الاجتماعية، وإنما بتأطيرها وتوجيهها بما يخدم الصالح العام، ويمنع توظيفها سياسيًا أو تحويلها إلى أدوات للضغط أو الإقصاء.
وإنّ الرهان الأكبر في المرحلة القادمة يظل هو الانتقال الهادئ والمسؤول من منطق الولاءات الضيقة إلى منطق المواطنة الكاملة، في ظل دولة عادلة تحمي الجميع، وتُخضع الجميع لسلطة القانون، وتفتح الطريق أمام بناء وطن يتسع لكل أبنائه دون استثناء.
عالي ولد الحاج ويس.

مقالات ذات صلة