خواطر : الدولة بين قوة النظام وهشاشة المجتمع …..

 

حين يصبح  الأنتماء  قوة  للدولة في زمن تتعاظم فيه التحديات الاقتصادية  والاجتماعية والسياسية، تبقى المواطنة الصادقة والإيمان بالدولة حجر الأساس لأي مشروع وطني ناجح. فالدول لا تُبنى فقط بالمؤسسات والقوانين، بل تُبنى أولًا بإرادة مواطنيها، وبإيمانهم بأن الوطن بيتٌ مشترك، وأن الحفاظ عليه مسؤولية جماعية تتجاوز الانتماءات الضيقة والمصالح الآنية.
إن المواطنة ليست مجرد وثيقة هوية أو حق في الحصول على الخدمات، بل هي شعور عميق بالانتماء، وإحساس بالمسؤولية تجاه الأرض والإنسان والمؤسسات. المواطن الحقيقي هو الذي يرى في استقرار وطنه استقرارًا له، وفي تقدمه تقدمًا لأبنائه ومستقبل أجياله. ومن هنا يصبح احترام القانون، والمحافظة على الممتلكات العامة، والمشاركة الإيجابية في الحياة الوطنية، واجبًا أخلاقيًا قبل أن يكون التزامًا قانونيًا.
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي نجحت في تجاوز الأزمات هي تلك التي آمن شعبها بمؤسساته، وفضّل الحوار والتعايش على الانقسام والصراع. فالإيمان بالدولة لا يعني التغاضي عن الأخطاء أو السكوت عن الاختلالات، بل يعني السعي إلى الإصلاح من داخل البيت الوطني، بروح مسؤولة تضع المصلحة العليا فوق كل اعتبار.
إن خطاب الكراهية والتمييز والشرائحية لا يبني وطنًا، بل يزرع الشك والخوف ويُضعف الثقة بين مكونات المجتمع. أما المواطنة الحقة فهي التي تجعل الجميع يشعرون بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، وأن الوطن يتسع للجميع دون إقصاء أو تهميش.
وفي عالم يموج بالصراعات والتحديات، تحتاج مجتمعاتنا اليوم إلى ترسيخ ثقافة الوحدة والتضامن، وإلى تعزيز الثقة بين المواطن والدولة، لأن هذه الثقة هي الضامن الحقيقي للاستقرار والتنمية. فلا تنمية بدون أمن، ولا أمن بدون وحدة وطنية، ولا وحدة وطنية بدون مواطن يؤمن بدولته ويحميها بالكلمة الصادقة والعمل المخلص.
إن بناء الدولة مسؤولية مشتركة تبدأ من المدرسة والإعلام والأسرة، وتمر عبر النخب السياسية والثقافية والدينية، وصولًا إلى كل فرد في المجتمع. فحين يدرك المواطن أن قوته في قوة وطنه، وأن كرامته من كرامة دولته، تتحول المواطنة إلى طاقة إيجابية تدفع نحو البناء والإصلاح والتقدم.
ويبقى الوطن، رغم كل التحديات، أكبر من الخلافات، وأسمى من الحسابات الضيقة، لأنه الملاذ الذي يجمع الجميع تحت راية واحدة ومستقبل واحد. ولذلك فإن الإيمان بالدولة ليس شعارًا عابرًا، بل هو رهان على الاستقرار والأمل، وطريق نحو وطن آمن، موحد، وقادر على صناعة مستقبله بثقة واقتدار.

الإعلامي الشيخ حبيب.

مقالات ذات صلة