رأي …المؤسسة.. و قادة المؤسسة…!/ محمد الكور العربي
المؤسسة.. و قادة المؤسسة!
قرأت بيان نقابة الأئمة و شيوخ المحاظر في موضوع الطفل الشهيد سيدي محمد ولد محفوظ، رحمه الله و عظم أجر ذويه. و لم يفاجئني وقوعهم في خطأ المماهاة بين المحظرة كمؤسسة، و بين من يوظفها أو يقودها من الأشخاص. هذا الخطأ البدهي يقع فيه أغلب الموريتانيين خاصة ،و العرب عموما. فترى أنصار وزير، من قبيلته أو أصدقائه أو المنتفعين من أفضاله، يتنادون للدفاع عن شخص الوزير إذا انتقد شخص أو مجموعة مواطنين أداء قطاعه، و كأن القطاع بكل مرافقه و أشخاصه و موارده و مهامه… مختزل في شخص الوزير و اسمه و وسمه!
و هذا الخطأ يقع فيه السياسيون: فترى الإخوان المسلمين يتداعون إلى الشتم و السب و التجريح الشخصي بحق أي شخص انتقد مظاهر أو ممارسات الشيوخ المتديين من دون التقيد بالدين نفسه، و هم في هذا السيل العرم من السباب و الشتائم يعتبرون أنفسهم في جهاد للدفاع عن الإسلام، لأنهم لا يفرقون بين الدين كعقيدة، و بين ممارسات البشر من المنتسبين للدين، في ما يناقض جوهر و تعاليم الدين ! و ترى البعثيين يجهلون، جهلا مركبا و معيبا، الفرق بين مؤسسة القيادة القومية التي لا يستغني عنها كيانهم التنظيمي ، و بين شخوص هذه القيادة، الذين يغدون و يروحون. و هكذا الحال في المؤسسات السياسية و الخدمية و التجارية…
إن المؤسسة كيان تنظيمي مهيكل مكلف بتأدية واجبات محددة بالقانون ، بغض النظر عن نوعية المؤسسة:فإذا كانت مؤسسة تعليمية، مثلا، فهي معنية ببناء الفرد و المجتمع: تربويا، و قيميا، و عقليا من أجل خلق الإنسان المتوازن في شخصيته. و إذا كانت المؤسسة اقتصادية ، فهي مكلفة بالإنتاج السلعي و الخدماتي… و إذا كانت المؤسسة سياسية، فهي مكلفة برفع مستوى الأداء السياسي في مجال الخطاب و الأفكار و التنظيم و الحركية التنافسية في مختلف ميادين المنافسة. من هذا التصنيف، يجب إدراك المؤسسة بوصفها كيانا معنويا مستمرا و مستقلا في ذات الوقت عن أعضائه المتغيرين بطبيعة كل الأحوال: إما بعدم الانتخاب للمسؤولية و الموقع من جديد في استحقاقاتها التجديدية، أو بالهرم، أو بالموت أو بالانحراف أو بالقصور و التقصير، أو بالعجز. وقد تحظى المؤسسات في تاريخها بقيادات عملاقة، و قد تبتلى بقيادات يمثلون في سلوكهم و أدائهم أحط مستوى من الرداءة و الخسة و القصور و التقصير و العجز و الانحراف عن منهج و دور و رسالة المؤسسة! و من هنا، فإن الخلط بين المؤسسة و بين شخوصها قيادتها يعد ليس فقط عيبا فكريا و تنظيميا و قيميا، و إنما ضربا عميقا في مقاتل المؤسسة و هدما للبنيان برمته! فإذا كانت مؤسسة المحظرة قد لعبت أدوارا تاريخية عظيمة في المنظومة التعليمية و التربوية في موريتانيا، فإن هذه العظمة لا تعتبر غفرانا أبديا و لا تخليدا سرمديا للمشايخ المحظرية عامة، الذين جلبوا العار و الشنار لهذه المؤسسة؛ و هنا يجب فصل المؤسسة ، من حيث هي كيان معنوي مستمر، عن هؤلاء الأشخاص الذين يجب طردهم منها و معاقبتهم ماديا و معنويا على ما ارتكبوه من أضرار و فواجع اتجاه المؤسسة و المجتمع باسم المؤسسة!
و هذا الأمر ينطبق كليا على المؤسسات السياسية و الحزبية التي تتسبب قيادتها في انهيار بنائها باسم سلطة التنظيم و التقويم و التوجيه!
إن تاريخ المؤسسات يثبت أنها لم تنهار يوما بفعل تجديد قياداتها، خاصة تلك الضعيفة أو المؤذية أو العاجزة أو المنحرفة، و إنما انهارت جراء استمرار تراكم الرداءة في قمرة قيادتها(…)؛ ففي هذه الحالات ، فإن المؤسسات تكف عن لعب دورها كمرجعية تنظيمية و معنوية للاحتكام و التصحيح لتصبح ، هي نفسها، جزءا محوريا في عملية الانهيار و عوامل تسريعه و عرض الآفاق المظلمة!
إنني أدعو شيوخ المحاظر و جهلاء السياسة إلى إدراك البون الشاسع بين المؤسسات ، و بين قياداتها، بين فوائد التقويم و كوارث استمرار أكداس الرداءة في قيادة المؤسسة! فإذا كانت مؤسسة المحظرة قد عرفت في تاريخها المشع علماء أجلاء و شيوخا أفاضل بددوا سدف الجهل ، فإنها عرفت في تاريخها الحديث جهلاء و وحوشا بشرية، و ليس علاج انحراف هؤلاء عن النهج القويم في الدفاع عن رداءة الحاضر بجودة الماضي… و إنما بفصل الرداءة المتمثلة في الأشخاص عن المؤسسة المحظيرة.
كذلك الحال في المؤسسات السياسية القيادية، فإن التغطية على رداءة و عحز و انحراف قادة حاضرها برمزية و تاريخ قادتها، لدى العوام، في الماضي لا يمثل حلا لأزمتها ، و إنما الحل في تطهير الرأس( المؤسسة) من عيوبه الفكرية و التنظيمية، و من عجزه و انحرافه…، حتى يستأنف ألقه الرمزي و دوره التاريخي النضالي…




