
الحوار لعبة فرقاء وشعب يتفرج…// باباه ولد التراد
يقال أنه في زمن الرئيس السابق معاوية ولد الطائع وقفت امرأة شاحبة وسط مهرجان منظم من طرف الحملة الرئاسية للسيد محمد محمود ولد اماه وقالت بأعلى صوتها ” عاش معاوية ” فرد عليها ولد اماه بقوله ” لكنك أنت للأسف لم تعيشي ” .
ومنذ ذلك الوقت أصبحت هذه الحكاية تلعب دورها الحزين في المشهد السياسي الموريتاني ، بل إنها أسست لقاعدة “تفرج المغلوب “حين تكون اللعبة في جوهرها تخدم الفرقاء السياسيين لوحدهم دون أن يستفيد ويعيش الوطن والمواطن كما هو حال الموريتانيين اليوم بخصوص الحوار المرتقب.
ومن هنا فلا غرو إذا كانت الجماهير غير مطمئنة لما يدور هذه الأيام بين “معارضة” منقسمة و نظام منتخب منحه الدستور ما يحتاج إليه لخدمة الشعب إذا أراد ذلك ‘ دون اللجوء إلى ترتيبات شكل حوار وتوزيع مقاعده بين الأطراف’ وعدم التطرق إلى القضايا الجوهرية التي تهم أي مواطن ضعيف وسط شعب يعاني الغبن والفساد ‘وأمة قد يتعرض نسيجها الاجتماعي والسياسي للتفكك أثناء هذا الحوار بسبب إرهاصات التمكين لجهات تعمل لما دون الوطن ‘ وتسعى لتفكيك الوحدة الترابية الموريتانية ‘ مع المبالغة المفرطة في الخصوصيات ‘ ودون إعطاء ضمانات مؤكدة للشعب بعدم المساس بالدستور والمكتسبات الدستورية التي ضحى كثيرا من أجلها المواطن.
كذلك فإنه من نافلة القول أن أطيافا كثيرة في المعارضة الموريتانية التي لا يجمعها ناظم واحد قد تأكد أن حرصها على الدستور خلال مسيرتها السياسية تسوده الإنتقائة والبرغماتية ، خصوصا عندما يتعلق الأمر بانتهاك المادة 6 من الدستور التي تنص صراحة “على أن اللغة الرسمية هي العربية ، واللغات الوطنية هي العربية والبولارية والسوننكية والولفية ” .
وهذا يعطي الدليل القاطع أنها لا تهتم بالثوابت الدستورية.
وعليه فإن عدم حرص أغلبيةأطراف الحوار المرتقب على المادة 6 من الدستورالتي تتعلق بهوية موريتانيا ولغة دينها الحنيف ‘ مع كراهية البعض للغة العربية قد جعل الشعب الموريتاني يتوجس خيفة من مخرجات هذا الحوار.
واعتمادا على هذا التوقع فإن أطرافا مؤثرة في الحوار ستسعى جاهدة لتهميش اللغة العربية وترسيم العديد من اللغات والتمكين للغة الفرنسية .
وقد يساند هذا الاتجاه أن النظام ينتهك في كل زمان وفي كل مكان دستور موريتانيا من خلال الاستهانة باللغة العربية ، ويستعيض عنها بلغة المستعمر حيث ظلت اللغة الفرنسية سائدة حتى الآن في القطاعات الإدارية والاقتصادية والمالية ومستخدَمةُ في جميع وسائل الإعلام وكافة مراحل التعليم .
ونظـرا للمواقع التي تحتلها لغة المستعمر هذه فقد تم الإعتراف بها لغة للترقية الاجتماعية والاقتصادية بدونها يصعب على المرء أن يشق طريقه في المجتمع الموريتاني.
ومع هذا لم يطالب أي طرف بوضع قانون ينظم ترسيم اللغة العربية حتى تكون الوثيقة المقدمة باللغة العربية هي الوثيقة الرسمية وحدها ، والوثيقة المقدمة بأي لغة أخرى غير ملزمة لأنها لم تعد رسمية ، وكذلك الحال بالنسبة لتصريحات المسؤولين الحكوميين فيجب أن لا تكون ملزمة إلا إذا كانت باللغة العربية ، وهذا ما نشاهده عند بعض الدول التي تحضر المترجمين أثناء تصريحات المسؤلين التابعين لها في الخارج .
ومع ذلك فإن انتهاك الدستور من خلال عدم الإكتراث بالمادة 6 يعد دون شك تفريطا في مكتسباتنا الوطنية وتجنيا على مقاومتنا الثقافية وشعبنا الأبي الذي وقف سدّا منيعا في وجه اللغة الفرنسية المعادية للنهج الإسلامي الحنيف ولغة القرآن الخالدة ، حيث خاض هذا الشعب معركة التعريب ، وذلك من خلال تنظيم المظاهرات الاحتجاجية والتغلغل ، في الأوساط الجماهيرية والكتابة على الجدران ، فضلا عن الإضرابات العمالية والمدرسية للضغط على الحكومات الموريتانية لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بالتعريب ، والتخلي عن سياسات التبعية ، وواجه أبناؤه في سبيل ذلك الهدف كافة أنواع التعذيب والسجن والمضايقات والتشريد والطرد من العمل والدراسة…




