المرحوم محمد غالي ولد البو  : شخصية إدارية ودبلوماسية موريتانية

ولد  محمد غالي ولد ألبو القلاوي سنة 1934 تقريبًا بمدينة تمبدغه في الحوض الشرقي، ونشأ في بيت عزّ وكرم، من أبوين كريمين جمعا بين الشرف والمكانة والعلم.
فوالده هو عبد الرحمن الملقب ألبو ولد محمد ولد عبدي ولد إجيد الموساوي القلاوي، أحد أعلام الجود والمروءة، ووالدته مريم بنت محمد محمود ولد بيَّه المسومية، من بيت عُرف بالعلم والفقه والزهد والتصوف.
حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم التحق بمدرسة أبناء الشيوخ في تمبدغه، قبل أن يغادر الحوض متجهًا إلى روصو، حيث واصل دراسته بثانوية كبولاني. وفي تلك المرحلة لفت انتباه الإدارة الاستعمارية الفرنسية، غير أن ذلك الإعجاب كان من طرف واحد، إذ ظل محمد غالي محافظًا على نخوته واعتزازه بنفسه وكرامته، غير آبهٍ برضا المستعمر أو سخطه.
عمل لفترة قصيرة في مصلحة الرصد الجوي، لكن هذا العمل لم يدم، إذ كان يحتقر الوجود الاستعماري ولا يأبه له. ويُروى أنه سأله أحد ملاحي الطائرات يومًا عن حالة الجو، فأجابه ساخرًا: أنت في الجو ولستُ أنا، وكانت تلك العبارة بداية نفور بعض الفرنسيين منه.
بعد ذلك، التحق بالعمل في مدينة أندر، مقر الحكومة الموريتانية آنذاك، كاتبًا خاصًا، وخصصت له سيارة رسمية لأداء مهامه، وذلك قبل الاستقلال.
ومع بزوغ فجر الدولة الموريتانية بعد الاستقلال، عُيّن أول حاكم للمركز الإداري في جكني، قبل أن تصبح مقاطعة، فأظهر كفاءة عالية وحنكة إدارية، وكان له دور بارز في عودة أعداد كبيرة من الموريتانيين من الأراضي المالية إثر أحداث معروفة آنذاك.
كما شغل منصب أول عمدة لبلدية جكني.
تدرج محمد غالي في المسؤوليات، فعُيّن حاكمًا ثم واليًا لعدة ولايات، قبل أن يُكلّف بمهام دبلوماسية رفيعة، حيث عُيّن سفيرًا فوق العادة وكامل الصلاحيات في كل من السنغال، وساحل العاج، والاتحاد السوفيتي.
كما شغل منصب الأمين العام في عدد من الوزارات السيادية، من بينها: الخارجية، والداخلية، والعدل، والتعليم، إضافة إلى عمله مديرًا لديوان وزير المياه في أول حكومة موريتانية بمدينة سينلوي.
عُرف محمد غالي بالكرم والنخوة، والترفع عن سفاسف الأمور. ومن أشهر مواقفه، أنه أثناء عمله سفيرًا في الاتحاد السوفيتي، تعطلت منح الطلبة الموريتانيين هناك، فجاؤوه يشكون ضيق الحال، فقال لهم بطمأنينة وسعة صدر: منزل أهل ألبو ولد عبدي وأجيد مفتوح لكل الضيوف.
فنزل الطلبة ضيوفًا عليه، ووجدوا من القِرى والضيافة ما أغناهم عن المنح، في موقف جسّد أصالة المعدن وصدق الانتماء.
ولا غرابة في ذلك، فوالده ألبو ولد عبدي ولد أجيد كان مضرب المثل في الجود، حتى إن الفنان الكبير لوليد ولد دندني أقسم أنه ما لقي ألبو إلا أعطاه “طلعة أو قاف”، وكان ألبو يقول له: وأنا كلما لقيتك أعطيتك بعيرًا.
أُحيل محمد غالي إلى التقاعد سنة 1991، غير أنه عاد إلى خدمة الشأن العام عمدةً لبلدية جكني في دورتي 2001 و2006، كما كان عميدًا ورئيسًا شرفيًا لرابطة الحوض الشرقي.
وفي سنة 2014، قرر الاعتزال النهائي للعمل الإداري والسياسي، متفرغًا للإصلاح بين الناس، مؤاخيًا بينهم، داعيًا إلى العفو، ونبذ الزلات، وصلة الأرحام.
تزوج ورزق بكريمة واحدة حسب علمي

وفي سنة 2023، فاضت روحه إلى بارئها، بعد عمر حافل بالعطاء والهيبة، والإباء، والكرامة، وعدم الخضوع أو التزلف، تاركًا سيرةً ناصعةً ورصيدًا من الاحترام في ذاكرة الوطن وأهله.

السلام على روه الطيبة الطاهرة الإداري والدبلوماسي محمد غالي ولد ألبو في العالمين…

عن منصة هدف

مقالات ذات صلة