محمد ولد مولود داداه ” الشنافي” سنوات سبع من الحزن مرت

نواكشوط ،08 سبتمبر 20190( الهدهد .م .ص)

توصلنا في موقع الهدهد بمقال يتناول شذرات من حياة رجل من فطاحلة العلم في شتى المجالات بهذا البلد .

لم تحظى حياته الفريدة بما تستحق من الدراسة والتحليل وعندما بعث الينا من أثق في الاعتماد على مرحعيتهم في النقل بادرنا بنشره للقارئ لتعميم الفائدة.

وهذا نص المقال:

كان محمد ولد مولود ولد داداه ذات مرة يكتب مقالا يود نشره في إحدى الدوريات -وكان قليل النشر- ، وحين انتهى من كتابة المقال (على محاور تاكَداوست) فكر في أن يمهره باسم خفيف بعيد عن تعقيدات أسماء البظان من تركيب ومزج ، خاصة وأن اسمه الثلاثي لايمكن أن يتميز إلا إذا كتب كاملا: اسمه مع اسم أبيه واسم العائلة وبين كل منهما عبارة (ولد)، محمد ولد مولود ولد داداه..
لمعت في ذهنه فكرة سريعة كان بجانبه صديقة الراوية والباحث التروزي محمد شنوف ولد بو بكر سيره ، فنحت من اسمه نسبة هي (الشنافي) وقع بها مقاله وظل يوقع بذلك الاسم المنحوت حتى لانقول (المستعار).

ولد الشنافي نهابة العقد الثاني من القرن العشرين ، حنكه جده الشيخ سيديا بابَ ، وتلقى العلم في كنف مكتبته ، ونشأ على ما ينشأ علية ناشئ الفتيان من قومه.

درس العلامة محمدّو السالم ولد الشين فترة قصيرة على العلامة يحظيه ولد عبد الودود(اباه) أعجب خلالها بذكائه ، ثم هاجر واستقر به المقام في تمبدغه.
ذات مرة ذُكر محمدّو السالم ولد الشين في مجلس يحظية فقال بتأثر بالغ: هح يذاك اطفل إچكوچي.
فقال الشيخ محمد ولد آبوّ الحسني: هح باط يذاك اطفل إداب لحسن.
وكان إداب لحسن لايقبلون بانتزاع ولد الشين منهم لخؤولته منهم وتوطنه فيهم.
ذلك هو حال العلامة محمد عالي ولد عدود مع الشنافي فقد درس عليه حدثا ، ويروى أنه لما هم بالمغادرة للدراسة النظامية اغرورقت عينا الشيخ محمد عالي بالدموع وهو ينظر إليه ذاهبا فقال: “وددت لو بقي معي” لما رأى من ذكائه.

في دكار وفي باريس “وضع محمد أنفه في كل شيء” كما يحلو للباحث الدكتور عبد الودود ولد الشيخ أن يقول عنه بلغة الاستطراف والإعجاب.
درس الطب والقانون والإدارة والتاريخ, وتعلم عددا من اللغات الحديثة والقديمة ,وصحب كبار المستشرقين ,واندمج بسهولة في المجتمع الباريسي المخملي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

التقى عدة مرات جان بول سارتر ، وزامل مالك بن نبي ، وعبد الله العروي ، ومحمد أركون ، وعبد الرحمن اليوسفي ، وغيرهم..
بيد أن التاريخ ظل محور اهتمامه ومشغله الرئيسي.وعلى الرغم من تقلده وظائف إدارية ودبلوماسية سامية في سنوات الاستقلال الأولى ,إلا أن المسؤولية لم تنجح في استمالته عن هواه الوحيد.

عمله في منظمة الوحدة الإفريقية بأديس بابا مكنه من إتقان اللغة الجعزية وهو ما أتاح له دراسة حضارات منطقة القرن الأفريقي.
كما تعلم قراءة خط المُسند أو الخط الحميري كما يسمّيه المستشرقون وخط النصب التذكارية هو نظام كتابة قديم تطور في اليمن وجنوب الجزيرة العربية، قرابة القرن التاسع – العاشر قبل الميلاد، وهو أحد ضروب الكتابة العربية الجنوبية، وكان نظام الكتابة المستعمل في شبه الجزيرة العربية لوقت طويل، حتى اشتق منه خط الجزم الذي اشتقت منه الأبجدية العربية.
وهو مامكنه من اكتشاف العديد من النقوش الحجرية المكتوبة باللغة العربية الجنوبية، وخط المسند.

كما اهتم الشنافي رحمه الله بتاريخ منطقة القبائل في الشطر الشرقي لبلاد فارس وعلى الحدود الباكستانية الأفغانية ، وخاصة قبائل “البشتون” ، ومكنه من ذلك معرفته للغة الفارسية فأعد بحوثا لهيئات ومراكز دولية عن تاريخ القبائل وحضارة المنطقة.

يقول الدكتور السيد ولد اباه:
“في ابريل 1988 بادرني “محمد أركون” في لقاء بتونس بالقول :”ما دمت من موريتانيا ,لا بد أنك تعرف محمد ولد مولود ,فما هي آخر أخباره؟”.أجبت المفكر الجزائري الأشهر بما عندي من أخبار قليلة عن الرجل الذي كان يعيش أوانها في قرية “عين السلامة” الهادئة لا يبرحها منذ حكم عليه النظام العسكري سنة 1981 بالإقامة الجبرية عقوبة لجريمة قرابته النسبية من الرئيس “المختار ولد داداه”.
ويضيف ولد اباه:
ذكر لي المرحوم (الشنافي) أنه عندما عين في بداية الستينيات واليا على دائرة الحوض ,صرف جل وقته على جمع الروايات التاريخية والتقاليد الشفهية عن هذه المنطقة ,وربطته علاقة وطيدة بأعلامها وعلمائها.
وعندما عين سفيرا في تونس , كانت إقامته في مكتبة المخطوطات بدار الكتب الوطنية أطول من مكثه في مكتبه بالسفارة ,وكانت المهمة الأولى التي حرص عليها هي تتبع اثر كتاب “الصيرفي” العمدة في أخبار المرابطين في الصحراء من خلال اقتفاء آثار أسرة تونسية ذكر أنها كانت تقتني النسخة الوحيدة من الكتاب في مطلع القرن المنصرم ولم يصل محمد إلى أي نتيجة بعد أن قادته رحلته إلى قرى الجنوب التونسي والأرياف الليبية .ولما سأله الرئيس “المختار ولد داداه” عن التقارير الإخبارية التي يفترض من السفير بعثها لحكومته رد عليه بالقول :”الأخبار كلها موجودة في صحيفة لموند”.
لم يمكث “محمد الشنافي” (الاسم الذي اختاره لنفسه اعتزازا بصداقته للراوية والحكيم محمد شنوف) طويلا في العمل الحكومي الذي اعتبر انه لم يخلق له ,فكانت آخر مهمة رسمية له هي تمثيل موريتانيا في نزاع الصحراء في محكمة العدل بلاهاي.
وقد حدثني الدبلوماسي المتميز المرحوم مولاي الحسن عن مداخلات الشنافي التي بهرت الجميع بعمقها وشموليتها”.

ويقول عنه الوزيز والدبلوماسي محمد عالي شريف في كتابه «سيرة من ذاكرة القرن العشرين»:
“وكان لي شرف التعرف عليه منذ سنة 1966، وعقدت معه صلة كانت دائما قوية وغنية.
وطوال ستين سنة، ظل هو المصدر الواسع والخصب لجميع الباحثين وأساتذة الجامعات الغربية الذين أعدوا ونشروا أطروحات وأعمال رصينة حول شعوب وثقافات الصحراء الكبرى، لكن مع الأسف لم يذكروه فيها إلا قليلا.
وهو ما لم يعطه حقه ومكانته المرموقة في مجال البحث العلمي، لأنه تميز بالسخاء الكبير، وبروح منفتحة إلى أقصى حد.
وكان من بين زواره، إن لم أقل مريديه، الذين عرفتهم، إنجليز وفرنسيون وإسبان وبرازيليون، أذكر من بينهم: شارل ستيورات، وجان دفيس، والبروفسيرين دنيس وروبير ومسيو فارياس وبيربونت، وكانت له علاقات مميزة ودقيقة على مستوى البحث مع بعض الأساتذة، كالعالم الفرنسي ثيودور مونو المتخصص في دراسة المجال الصحراوي، وأندريه ميكيل، وفينسانت مونتي، وبدرجة ما جاك برك وجرمين ثيلون.
واعتمد محمد ولد مولود سفيرا في تونس مباشرة بعد اعترافها بموريتانيا، فأمضى تقريبا كل الأوقات في التردد على المكتبات وزيارة المعالم، وكان له لقاء لا ينسى مع الرئيس بورقيبة بمناسبة زيارته جامع الزيتونة. كان الرئيس التونسي ذا عقل حصيف ميال الى الثقافة، وقدم إليه وزير ثقافته لمحة تاريخية عن هذه المؤسسة العلمية، وأعجب جدا بالتدخل غير المنتظر والخارج عن سنن البروتوكول لمحمد ولد مولود عندما قاطع عفويا عروض الوزير لينبه الى تصحيح بعض النقاط الأساسية فيها، عندئذ ترك بورقيبة وزيره فورا وطلب من رجل الثقافة الموريتانية تقديم المزيد، وكان من نتائج ذاك تقوية تعلق «المجاهد الأكبر» بموريتانيا.
وكان محمد ولد مولود ولد داداه هو من قبل بصعوبة تحرير مذكرة طلبها الرئيس السنغالي سينغور، على أن تكون موثقة وصحيحة، حول زواج أمير الترارزة محمد لحبيب بجمبت أمبودج ملكة الوالو، وهو الزواج الذي كرس تحالفا كان له بعد تاريخي كبير في العلاقات بين الكيانين اللذين كانا حينذاك يسيران الشعوب المتاخمة لنهر السينغال”.

كان موسوعة الصحراء التي لم تستطع رمال النسيان المتحركة النيل منها ، لكن الزمن شفاف ويتداخل أحيانا فيكون قريبا جدا وإن بدا بعيدا ، ومن طريف ذلك ما حدثني به أحد الأصدقاء أنه سأله عن تاريخ معركة “ام اشگاگ” بين قبيلة لقلال وقبيلة تنواجيو فأجابه:
ذيكْ هونْ اگريّبْ Septembre عامْ Quarante !
سبتمبر 1940
اگريّبْ!

ذات مرة خلال (رالي باريس دكار) ضل سائق دراجة فرنسي في “آوكار لبكم” وانتهى المطاف به في قرية “عين السلامة”.
استقبله المؤرخ محمد ولد مولود ولد داداه رحمه الله ، وأكرم نزله ، جلسا في الفضاء الرحب في تلك القرية الوادعة النائمة بين أحضان الرمال.
جلسا على حصير من النيلون ، كان محمد ولد مولود يلبس دراعة خفيفة من الشگة ويلف لثاما من توبيت حول رقبته.
سأل محمد ولد مولود الفتى الفرنسي من أي مدينة أنت؟
فأجاب: من بواتييه
قال محمد: أنت إذن من وسط غرب فرنسا من منطقة بواتو شارنت..
تلك المنطقة تعتبر من المناطق المشمسة فى فرنسا وتغطي جزءا مركزيا من السهل الساحلي المطل على المحيط الأطلسي ..
إنها تقع إلى الغرب من أعلى ليموزين على تخوم الهضبة الوسطى عند حواف التلال المتموجة..
تلك المنطقة مناخها معتدل على الرغم من الصقيع فى الشتاء الذى يكون أقل صرامة على الساحل.
فى الجزء الجنوبي من تلك المنطقة تقع الأراضي الصالحة لزراعة القمح والشوفان ، كما تزرع فيها البطاطا والتفاح و، تقوم كروم العنب على نطاق واسع حيث تنشط صناعة الكونياك والنبيذ المحلي و صناعة الأجبان.
وفى الشرق منها تقع مقاطعة دوكس سفرس “Deux-Sèvres ” التي توجد بها بلدية “Mauzé-sur-le-Mignon ” الوادعة ، التي ينحدر منها الرحالة (رينيه كاييه – René Caillié)، المعروف عندنا هنا بـ “ول كيجَ النصراني” أول رحالة غربي تطأ قدماه أرض تمبكتو…

ظل الفرنسي فاغرا فاه لايحير جوابا ..
كان يسمع عن قصص الجن سكان مهامه الصحراء ، ظن نفسه في حلم أو تخطفته الجن ..
إنه أمام رجل صحراوي توحي ملامحه بأنه لم يبرح تلك الصحراء رغم أناقة لا تخطئها العين ، ملامحه صارمة عيونه ثاقبة النظرات يتدلى شاربه الأبيض إلى ذقنه الحليق صوته متهدج به بحة جميلة ، يتكلم الفرنسية كما يتكلمها الفرنسيون الأقحاح يتكلمها بلكنة الغلواز ، ويعرف فرنسا جيدا وأحاط بتاريخها خبرا..
إنه يعرف منطقته ومسقط رأسه بشكل جيد بتضاريسها وأهلها ومناخها ومسؤوليها ومثقفيها..
والأغرب من هذا كله لغته الفرنسية مخارج الحروف لديه ، النبرة ، لغة الجسد ، والتراكيب والجمل السليمة الأصيلة .. يا إلهي..

استعاد الفرنسي توازنه بعد أن كاد يجن ، حين أخبره محمد بأنه درس في فرنسا في الأربعينيات وأنه عاش فيها سني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً