
شبكة الكهرباء في نواكشوط: الحاجة الملحّة إلى إصلاح هيكلي / بقلم : المهندس الدكتور محمد ولد برار
منذ عدة أشهر، تُلاحظ صعوبات في التزويد بالكهرباء في مختلف أحياء نواكشوط. وتتجلى هذه الصعوبات، على وجه الخصوص، في الانقطاعات المتكررة وأحياناً الطويلة، وانخفاض الجهد الكهربائي في بعض المناطق، حيث يمكن أن تقترب قيمته في بعض الحالات من 160 فولت، مقابل جهد مقنن قدره 230 فولت، أي بانخفاض يتجاوز 30%، في حين يفترض أن يظل الجهد في ظروف التشغيل العادية ضمن حدود تقارب القيمة المعيارية ±10% ويؤثر هذا الانخفاض على أداء التجهيزات الكهربائية واستمرارية تشغيلها، وقد يؤدي إلى تقليص عمرها التشغيلي، فضلاً عن الصعوبات التي تواجهها بعض عمليات تشغيل الشبكة. وتعكس هذه العناصر وضعاً يستدعي، في هذه المرحلة، إجراء تحليل شامل للنظام الكهربائي للعاصمة.
وتُشكّل حوادث الشبكة التي وقعت يومي 21 و22 أغسطس 2026، في هذا الصدد، مثالًا حيًّا على حجم هذه الأزمة . ولا يتمثل التحدي في البحث عن سبب واحد لكل حادث، وإنما في فهم السلسلة التقنية التي تؤدي إلى تدهور الخدمة، بما في ذلك مستوى تحميل المنشآت، وتكوين الشبكة، وإمكانيات تحويل الأحمال، وقدرة التحويل، وحالة أنظمة الحماية، والصيانة، وتوافر تجهيزات الطوارئ، وتنظيم عمليات التشغيل.
وتزداد أهمية هذا الوضع بالنظر إلى أن نواكشوط تتوفر اليوم على وسائل إنتاج كهربائي أكبر بكثير مما كان عليه الحال في السابق.
إنتاج متزايد، ولكن شبكة يجب أن تواكب ذلك
يتكون النظام الكهربائي الذي يغذي نواكشوط اليوم من وسائل إنتاج حرارية — المحطة المزدوجة الوقود (180 ميغاواط) ومحطة وارف (36 ميغاواط WARF ) — وطاقة شمسية — محطة توجونين (50 ميغاواط) ومحطة الشيخ زايد (15 ميغاواط) — وطاقة رياح — محطة طاقة رياح بولنوار (100 ميغاواط) ونواكشوط (30 ميغاواط) —، إضافة إلى الربط الكهربائي الإقليمي، ولا سيما الربط التابع لمنظمة استثمار نهر السنغال (OMVS)، الذي يتيح استيراد الكهرباء، فضلاً عن إمكانيات تبادل الكهرباء مع السنغال.
وتبلغ القدرة المركبة المرتبطة بتزويد العاصمة بالكهرباء حوالي 411 ميغاواط، مقابل قدرة قابلة للتعبئة فعلياً تُقدّر بنحو 324 ميغاواط، وفقاً لظروف التشغيل. ويظهر هذا الفرق بشكل خاص بالنسبة إلى مصادر الطاقة المتجددة ومحطة وارف، مما يعزز اعتماد الشبكة على المحطة المزدوجة الوقود وعلى الربط الكهربائي لمنظمة استثمار نهر السنغال.
وقد تكون جزء من القدرة المتاحة محدوداً بسبب قدرات إخلاء الطاقة، وقيود النقل، وقدرة المحولات، أو حدود شبكات التوزيع. وهنا تحديداً تكمن إحدى أهم جوانب الإشكالية التي تواجهها نواكشوط.
وتعمل شبكة العاصمة على عدة مستويات من الجهد: 225 كيلوفولت للربط والنقل، و33 كيلوفولت للتوزيع الرئيسي، و15 كيلوفولت للتوزيع بالجهد المتوسط، و400/230 فولت للمستهلكين النهائيين. وتتكون شبكة 33 كيلوفولت من ثماني محطات، من بينها ست محطات مصدر بجهد 33/15 كيلوفولت: الشمال، والشمال الشرقي، والوسط، والشرق، وعرفات، والغرب، إضافة إلى محطات الربط 225/33 كيلوفولت.
وتُظهر التحليلات التقنية الأخيرة أن الشبكة تعمل بهوامش محدودة في عدد من منشآت مستوى 33 كيلوفولت، مع تحميل مرتفع للمحولات ومشكلات في مستوى الجهد في بعض المناطق.
نظام معقد يتطلب ثقافة صارمة
ينبغي كذلك التذكير بأن الشبكة الكهربائية تشكل نظاماً معقداً ومترابطاً ومتطوراً، يتعين التحكم فيه سواء في الحالة الثابتة المستقرة أو في الحالة الديناميكية. ويعتمد تشغيلها على المراقبة المستمرة لعدد كبير من المعايير — الأحمال، والجهود، والتيارات، والترددات، وتدفقات القدرة، وحالات التجهيزات، وأنظمة الحماية، والاحتياطيات المتاحة — والتي يمكن أن يؤدي تغيرها بسرعة إلى تعديل التوازن العام للنظام.
وفي مثل هذا النظام، يمكن لقرار غير مناسب، أو خطأ في التشغيل، أو قصور في المراقبة، أو تدخل لم تتم السيطرة عليه بالشكل الكافي، أن تكون له آثار تتجاوز بكثير النقطة التي حدث فيها، ولا سيما من خلال حدوث فصل متسلسل، أو تحويلات غير متحكم فيها للأحمال، أو تدهور جودة واستمرارية التغذية الكهربائية.
وبالتالي، فإن اعتمادية و جاهزية النظام لا تعتمد فقط على الاستثمارات في البنية التحتية، بل تقوم أيضاً على ثقافة حقيقية من الدقة واليقظة والمسؤولية على جميع مستويات السلسلة الكهربائية، بدءاً من ربط واستغلال منشآت المستهلكين، مروراً بشبكات التوزيع، ومحطات المصدر، وشبكة النقل، والتحكم في الشبكة، وصولاً إلى الإدارة اللحظية للتوازن بين الإنتاج والاستهلاك.
الأولويات لتعزيز وتأمين الشبكة
لذلك، ينبغي أن تُعطى الأولوية لاستراتيجية متكاملة لتعزيز نظام نواكشوط.
وينبغي كذلك تسريع تعزيز شبكة 33 كيلوفولت، مع إعطاء الأولوية للممرات التي تشكل اليوم أهم نقاط الاختناق.
• ينبغي دراسة الخطوط الجديدة التي تم إنجازها بالفعل ولم تدخل بعد حيز الخدمة بشكل عاجل، ووضعها في الخدمة بمجرد استيفاء الشروط الفنية وشروط السلامة.
• كما ينبغي تعزيز محطات 33/15 كيلوفولت والحد من القيود على مخارج 15 كيلوفولت.
• ويجب أن ترافق عملية تحديث أنظمة الحماية والتحكم هذه الاستثمارات، بما يضمن عدم تحول عطل محلي إلى تداعيات غير متناسبة على بقية الشبكة. كما يشكل تنسيق أنظمة الحماية وانتقائيتها نقطة أساسية.
• وينبغي كذلك تطوير إدارة الحوادث. إذ يجب أن يخضع كل حادث مهم لتقرير فني شامل يوضح تكوين الشبكة، والأحمال، والجهود، وأنظمة الحماية التي عملت، والمناورات التي تم تنفيذها، والتجهيزات المعنية، ومدة الانقطاع، والإجراءات التصحيحية.
إن وجود شبكة تدمج عدة مصادر للإنتاج والربط الكهربائي يتطلب فرقاً عالية الكفاءة في مجالات التشغيل، والحماية، والتحكم، والتخطيط، والصيانة، وتحليل الحوادث. وينبغي أن تصبح مواصلة التكوين وتحمل المسؤولية من مكونات سياسة سلامة النظام.
تهيئة الشبكة قبل بلوغ حد الاستيعاب الأقصى
تكشف الصعوبات الحالية التي تواجهها نواكشوط، قبل كل شيء، عن مواطن ضعف هيكلية في شبكة تخضع لنمو سريع في الطلب، مع وجود قيود تشمل في الوقت نفسه النقل، ومحطات المصدر، والتوزيع، وأنظمة الحماية، والصيانة، وجودة التغذية الكهربائية.
وتدخل موريتانيا اليوم مرحلة جديدة من تطوير وتنويع قدراتها في مجال إنتاج الكهرباء. وتعكس المشاريع المنجزة أو قيد الدراسة هذه الديناميكية، ولا سيما التوسعة الأخيرة بقدرة 60 ميغاواط للمحطة المزدوجة الوقود، ومحطة الغاز في اندياگو بقدرة 230 ميغاواط، إضافة إلى مشروع المنتج المستقل للطاقة الهجين الشمسي والرياح بقدرة 220 ميغاواط (160 ميغاواط من الطاقة الشمسية و60 ميغاواط من طاقة الرياح). وتمثل هذه المشاريع استثمارات هيكلية من شأنها أن تسهم في زيادة قدرات إنتاج الكهرباء في البلاد بشكل مستدام.
ويمثل ذلك تطوراً ضرورياً، غير أن كل ميغاواط جديد يجب أن ترافقه البنية التحتية اللازمة لإخلائه ونقله وتحويله وتوزيعه في ظروف مستقرة و آمنة. وبالتالي، لا ينبغي أن تشكل ذروة الطلب التي تبلغ اليوم حوالي 300 ميغاواط مرجعاً للمستقبل. بل يجب من الآن إعداد الشبكة لمستويات 400 و500 و700 ميغاواط، وعلى المدى البعيد لمستويات أعلى من ذلك.
ويتمثل الخطر الرئيسي في تعزيز النظام في وقت متأخر جداً، عندما تصبح الأحمال الزائدة وانخفاضات الجهد والحوادث متكررة بالفعل. فالمشاريع الكهربائية الكبرى لا تنجز في بضعة أشهر؛ بل تتطلب عدة مراحل — الدراسات، والتمويل، وإبرام الصفقات، والتصنيع، والأشغال، ووضع المنشآت في الخدمة — وقد تستغرق من سنتين إلى ثلاث سنوات.
وتؤكد توصيات المجلس الدولي للشبكات الكهربائية الكبرى (CIGRE) والوكالة الدولية للطاقة (AIE) ضرورة التخطيط للشبكات على مدى عدة سنوات، من أجل استباق القيود المستقبلية والشروع في عمليات التعزيز في الوقت المناسب.
وفي غياب مثل هذا الاستباق، يمكن أن يؤدي النمو السريع في الطلب إلى ظهور قيود جديدة: أحمال زائدة، وتدهور في الجهد، وفصل أكثر تواتراً، وفقدان استمرارية الخدمة، مما يؤدي تدريجياً إلى تقليص هوامش أمان النظام. ويجب بناء هامش الأمان قبل أن تتحول القيود إلى أزمة.



