صدرنا الأعظم وانكشاريةاليوم.. ./ المختار الطالب النافع

 

ظهر لقب “الصدر الاعظم” أول ماظهر في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي ضمن التنظيم الإداري للدولة العثمانية، حيث أنيطت به مسؤوليات جسام
بداية برئاسة الديوان الهمايوني و
الإشراف على الوزراء، مرورا بتنفيذالسياسة التي يقرها السلطان، وصولا الى الإشراف على الشؤون العسكرية في كثير من الفترات.

هناك اختلفت “الصدور العظام” في تعاطيها مع الشأن العام باختلاف ملكاتها ودرجة قوة شخصيتها مماولد معارضة اختلفت هي الأخرى من “صدر أعظم” لآخر ، وإن شكل قرب “الصدر الأعظم” من السلطان وثقته فيه داعيها ومحركا الأساس.

وبتعدد “الصدور العظام” تنوعت المعارضة بنية وشكلا، وإن اتحدت في الدفاع عن مصلحة مستها قرارات صدر أعظم أو حاولت تحييدها لمصلحة الشعب حد المطالبة أحيانا بعزل بعض السلاطين والضغط عليهم ومطالباتهم أحيانا أخرى بزيادات الرواتب والامتيازات دون أخد إرهاق ذلك لخزائن الدولة في الحسبان.

من بين هذه القوى عارضت الإنكشارية – التي بدأت كجيش نخبة لحماية السلطان والدولة، وشاركت في فتح القسطنطينية قبل أن تصبح قوة سياسية كبيرة التأثير – عددا هاما من السلاطين وصدورهم العظام عندما ما وجدت أن اصلاحات هؤلاء تحد من امتيازاتها ونفوذها إلى أن تم القضاء عليها في عهد السلطان محمود الثاني 1826 فيما عرف ب”الواقعة الخيرية”.

ويومها لم تقف معارضة الصدور العظام عند حد الانكشارية فحسب بل تعدتها للوزراء ورجال القصر ورجالات الدين والولاة وقادة الجيش… وإن بقيت مصلحة الشعب صخرة صلبة تتكسر دونها معاول الباحثين عن حظوة على حساب الوطن أو منفعة لجيب أو هما معا.

وبقراءة عابرة للتاريخ، وإسقاط وقائع الماضي على الحاضر، ندرك دون كبير عناء تشابه مصالح الأمس واليوم، وتماهي أصحابها، ووحدة وسائل دفاع هؤلاء واؤلئك عن امتيازات رأوها حقوقا أصلية – أو مكتسبة على أقل تقدير – ورآها الصدر الأعظم غير ذلك.

اليوم تعاب على “صدرنا الأعظم” فلسفته الضريبية، وتنظر إليها انكشارية اليوم ، والدائرون في فلكها على أنها جزية جديدة سلطت على المخالفين ل”ملة الإصلاح” في الوقت الذي تشكل فيه موردا هاما وضروريا لخزينة الدولة، ومساهما لاغنى عنه لتأمين الانفاق على التعليم والصحة والأمن وتمهيد البنية التحتية لقيام النشاط الحياتي .

صحيح أن الضريبة تحتاج الى مرآة عاكسة يشعر من خلالها الناس أن مال دافعي الضرائب قد وجد طريقه إلى مصارفه المحددة ، وصحيح أن وعي دافعي الضرائب لا يتعزز إلا باكتمال إشباع الحاجات الاجتماعية للمواطن تحت رعاية الدولة وتسييرها، لكن صحيح أيضا أن انكشارية اليوم تحاول تعطيل هذين المعطيين – أوماتحقق فيهما على الاقل – لتصور الجباية الضريبية سيفا مسلطا على المعارض والمخالف، في وقت تهمل فيه واري وبادي وظاهر وعيان الانجازات، وجديد التدخلات التي قيم بها انطلاقا من تحسين الإطار الضريبي ومراقبته واعتماد الشفافية في تطبيقه وما تأتي من نتائج ملموسة في هذا المضمار.

وغير بعيد مما شهده تنظيم المجال الضريبي وتأمين عائداته، تأتي عقلنة الصفقات ونظامها الجديد لتشكل مناسبة لانكشارية اليوم للطعن في مبدأ الشفافية المطبق ، المراعى بوعي تام والمنفذ بإحكام، واعتباره انحيازا واضحا ضد من تجاوزته الصفقة ألف أو الصفقة باء لانعدام توفره على المعايير المطلوبة.

أمثلة بين أخرى تؤكد أن التاريخ يعيد نفسه،وأن قطع الأرزاق مرادف لقطع الأعناق، وأن “صدرنا الأعظم” يعيش عزة الانجاز ويؤمن بها ويتخذها دينا وملة وأن “الواقعة الخيرية”قد اقتربت أو حانت فعلا.

مقالات ذات صلة