تقرير مجموعة “رواق الفكر الوطني” الموضوع: المدرسة الجمهورية وإنهاء عهد التعليم الخاص.. بين رهان العدالة الاجتماعية ومخاوف الجودة المعرفية

مقدمة
تأتي هذه الوثيقة لتلخص النقاشات العميقة والمسؤولة التي دارت بين نخبة من أبناء الشعب الموريتاني في مجموعة على أحد وسائط التواصل الاجتماعي تسمى “رواق الفكر الوطني”، حيث تداعى المشاركون بروح وطنية غيورة لتشخيص واقع التعليم، مستحضرين لحظة التحول الراهنة نحو ما بات يعرف بـالمدرسة الجمهورية، وإننا كـنخبة ومثقفين، لا ننظر إلى هذا المشروع من زاوية التقويم الفني البسيط، بل كرهان مصيري ومفترق طرق تاريخي، فإما أن يشكل جسرا حقيقيا للعدالة الاجتماعية، ويمحو الفوارق التي عمقتها عقود من الخصخصة والفوضى، وإما أن يظل مجرد شعار سياسي تعوزه الآليات اللوجستية والتربوية، مما يهدد بتعميق أزمة الجودة المعرفية التي يعاني منها تلامذتنا، ومن هنا انطلق نقاشنا ليوازن بين الطموح المشروع والتخوفات الواقعية.
جذور الأزمة ومظاهر الاختلال الراهن
يرى المجتمعون أن المنظومة التعليمية الوطنية لم تفسد نفسها بنفسها، بل أُفسدت بفعل فاعل عبر تراكم سياسات خاطئة تخلت فيها الدولة تدريجيا عن دورها المحوري، وإذا عدنا بالذاكرة إلى الستينيات والثمانينيات وحتى مطلع التسعينيات، نجد أن المرفق التعليمي كان يحظى باحترام وتقدير هائلين، وكان المعلم شخصية مهيبة ورمزا مجتمعيا يتجاوز دوره حدود القسم ليتابع تلاميذه في بيوتهم وبين أهاليهم، هذا الانضباط الأخلاقي والمعرفي كان ينعكس إيجابا على الشارع الموريتاني ومخرجات الدولة الناشئة.
لكن نقطة التحول السلبية بدأت مع مطلع التسعينيات، حيث دخل البلد في موجة دمقرطة التعليم التي تزامنت مع خصخصة عشوائية ألقت بظلالها على القطاع ودمرته، وتحول التعليم على إثرها إلى استثمار تجاري مفتوح لكل من يملك رأس المال، دون ضوابط صارمة للمباني أو الأمكنة، هذه الفوضى أدت إلى هجرة معرفية عكسية، حيث غادر الأساتذة الأكفاء والمعروفون قطاع التعليم العام بحثا عن الثروة والإغراءات المادية في المدارس الخصوصية التي استخدمتهم كعناصر جذب للتلاميذ، وكانت النتيجة الحتمية هي انهيار الثقة تماما في التعليم العمومي، وظهور أزمة أخلاقية وسلوكية حادة داخل الحرم المدرسي الحالي، تحول معها الجو التعليمي في بعض الأحيان إلى فوضى وغياب كامل للاحترام، حتى بات المدرس يشتم ويهان من قِبل تلاميذ يفتقدون للتربية الأساسية.
تتجلى أزمة التعليم اليوم في طابع عام يتسم بالاكتظاظ الخانق داخل الفصول، وندرة الأساتذة والمعلمين في العديد من المواد والمناطق، لاسيما في التجمعات الريفية والهشة المعروفة بـ “أدوابه” وحواضرنا الداخلية، التي هي في أمس الحاجة للتعليم كرافعة اجتماعية، يضاف إلى ذلك غياب دراسات الملاءمة المكانية لتحديد الأماكن المثلى لبناء المؤسسات، وهو ما يفسر التناقض الصارخ في كثافة التلاميذ بين المؤسسات، حيث نجد فصولا تضم كثافة 177 تلميذا في ثانوية عرفات 3، مقابل 39 تلميذا فقط في ثانوية الفلوجة، مما يوضح العشوائية في التخطيط اللوجستي.
جدلية المدرسة الجمهورية ومدارس الامتياز
شهدت المجموعة نقاشا ساخنا حول الهوية الحقيقية للمشروع الجديد، حيث تساءل البعض بحذر: هل المدرسة الجمهورية هي نتاج رؤية إستراتيجية نابعة من الأسرة التعليمية ومستوعبة لتحديات الميدان، أم أنها مجرد شعار سياسي براق وضع لغايات استهلاكية؟ بل إن من بيننا من يفضل تسميته بالتعليم العمومي تجنبا للشعارات السياسية التي غالبا ما أفسدت القطاعات الحيوية في البلد، وهنالك إجماع على أن المدرسة الجمهورية، رغم نبل فكرتها، ما زالت حتى الآن “حبرا على ورق” ولم تر النور حقيقة لا من الناحية اللوجستية ولا من الناحية الاجتماعية، ويتساءل البعض بمرارة: كيف وجد المجتمع نفسه مرغما خارج إطار التعليم العام أصلا؟ هل كانت هناك دواعي اقتصادية واجتماعية حقيقية فرضت اللجوء للتعليم الخصوصي، أم أن في الأمر “إنّ” ومؤامرة مبطنة لتدمير المدرسة الرسمية لصالح فئة من التجار؟.
وفي سياق متصل، حظيت تجربة “مدارس الامتياز” بنصيب وافر من النقد البيداغوجي والاجتماعي، فقد رأى قطاع واسع من النخبة أن هذه المدارس تعد من أكبر الأخطاء البيداغوجية التي وقعت في البلد، فبدلا من أن ترفع المستوى العام، ساهمت في سحب المدرسين الأكفاء من المدارس العادية وتجميعهم في نقاط محددة، مما ساهم في تعميق الشرخ المعرفي والتربوي وزيادة حدة الفوارق الطبقية وتوسيع الهوة بين أبناء المجتمع الواحد، وهو أمر يتناقض جملة وتفصيلا مع الفلسفة المعلنة للمدرسة الجمهورية التي تنبذ التمييز، ورغم وجود صوت مدافع يرى أن الامتياز ظاهرة عالمية تراعي تفاوت الذكاء والاجتهاد الطبيعي بين الأطفال، إلا أن الرد كان حاسما بأن مسألة “الوساطات” في واقعنا التدبيري تتدخل لإقحام أبناء النافذين وغير الأكفاء، مما يحولها إلى أداة طبقية بامتياز، وتفرع من ذلك تساؤل مشروع: إذا كانت التجربة ناجحة، فلماذا لا تعمم وتصبح كل مدارس الوطن مدارس امتياز؟ وإن التفريق بين مدارس الامتياز والمدارس العادية هو تفريق في الاسم فقط من حيث الواجهة، لكنه جوهري من حيث تكريس الطبقية.
إن التعليم الحر أو الخصوصي بصيغته الحالية قد وصف في نقاشنا بأنه سرطان ضد المدرسة الجمهورية، ولا يمكن لبديل وطني أن يقوم ما لم تتخذ إجراءات ثورية لتقويض هذه الفوضى وإعادة الاعتبار للمرفق العام كاختيار إستراتيجي لا غنى عنه.
المقاربات والحلول المقترحة
من رحم هذا التشخيص الصادم، ومن وحي التجارب الدولية الناجحة كالتجربة الفنلندية، والسنغافورية، والفرنسية، واليابانية (حيث يمنع إجراء الامتحانات في السنوات الأولى ويركز بالكامل على التربية والأخلاق وبناء الإنسان نفعيا وأخلاقيا)، صاغت النخبة في الرواق جملة من الحلول العملية والمقاربات التي نتمنى من أصحاب القرار أخذها بعين الاعتبار:
أولا: الجاهزية والقرار الإستراتيجي: نؤكد أن التساؤل عن الجاهزية اللوجستية والمادية هو تساؤل مشروع وفي محله، ولكن في عالم الإستراتيجيات السياسية، فإن منطق الانتظار حتى الجاهزية المطلقة هو منطق عقيم يقود إلى العطالة الأبدية، حيث ندعم الانطلاقة ونطالب بتصحيح المسار أثناء السير، فلا تعارض إطلاقا بين الجودة المعرفية والعدالة الاجتماعية، بل إن تطبيق المدرسة الجمهورية سيجعل من الآباء الأغنياء والنافذين (حين يضطرون لتدريس أبنائهم مع بقية الشعب) سيجعل منهم حراس الجودة الجدد، لأنهم سيضغطون بكل ثقلهم لضمان توفير أفضل المناهج والمدرسين.
ثانيا: تحيين المقررات والمناهج التعليمية: تنبه النخبة في نقاشها إلى ضرورة إحداث تحول جذري يتجاوز اللوجستيك والأجور ليمس جوهر العملية التربوية، حيث نقترح مراجعة شاملة وتحيينا دوريا للمقررات والمناهج التعليمية وتنقيتها من رواسب التعليم التجاري، ويجب صياغة مناهج حديثة تطوع خصيصا لخدمة فكرة المدرسة الجمهورية، وتستهدف خلق تحول بنيوي وثقافي عميق في مجتمع الغد، ليكون أكثر عطاء ومدنية ووحدة وانسجاما، وبما يضمن تماسك اللحمة الوطنية ونبذ الفوارق بين كافة مكونات الشعب.
ثالثا: التمييز الإيجابي والثوري للمدرس: لا يمكن إصلاح التعليم دون رد الاعتبار المادي والمعنوي للمدرس، لذلك نطالب برفع الأجور بشكل ثوري ومغر يعيد للمدرس كرامته ويمنع هجرته للقطاع الخاص، بالتوازي مع إطلاق برامج تكوين مستمر لرفع كفاءته البيداغوجية المعرفية، ومتى ما توفرت الخدمة الجيدة والأجر العادل، ستعود الثقة تلقائيا للتعليم العمومي.
رابعا: إعادة هندسة التمويل ودعم صندوق السكن: تناول المشاركون بالتحليل الإجراءات الاجتماعية المواكبة للمدرس، وتحديدا القرار الرئاسي الخاص بإنشاء صندوق دعم السكن، والذي يحظى بتثميننا الكامل من حيث المبدأ والغاية، إلا أن آليات تطبيقه الحالية تشوبها تحفظات بالغة تتعلق بضآلة المبلغ الممنوع، ونظام تفويج المستفيدين، والاقتطاعات المباشرة من رواتب المدرسين الزهيدة أصلاً، وتأسيسا على ذلك نقترح مراجعة فورية لآلية صرف هذا الدعم، وإعادة النظر في هيكلة تمويل الصندوق ودعمه بموارد مالية معتبرة ومستدامة عبر تفعيل الهندسة المالية في السياسات الحكومية، وتحرير بعض الموارد من القطاعات غير الحيوية وصرفها فيما هو أكثر نفعا للوطن والمواطن، كما نرى أن الدولة -التي تجيد حكوماتها المتعاقبة فن الاقتراض الخارجي واستجلاب التمويلات- مطالبة بتوجيه هذه القروض والجهود المالية مباشرة لإصلاح التعليم وتوفير السكن اللائق للمدرس، بعيدا عن منطق الربح والخسارة الضيق، لأن الاستثمار في الإنسان يجب ألا يخضع للحسابات التجارية والمحاسبية.
خامسا: الرقابة المجتمعية وصندوق التضامن: نقترح رصد أموال ضخمة وتوجيه ميزانيات استثنائية لإصلاح القطاع، وتأسيس صندوق التضامن المدرسي لدعم المدارس في المناطق الهشة، كما نطالب بتفعيل حقيقي لـمجالس الآباء وإعطائهم صلاحيات واسعة ليكون المجتمع نفسه هو المراقب المباشر وبشكل يومي على أداء المدارس الجمهورية.
سادسا: الأمن المدرسي والدعم النفسي: نقترح استحداث سلك الحرس المدرسي أو الشرطة المدرسية، وهو سلك متخصص ومحترف يتولى حفظ الأمن داخل محيط المؤسسات التعليمية وتأمين الممتلكات العامة للمدارس من التخريب، والاستعانة بخبراء في علم النفس التربوي لدعم الإدارة في التعامل مع الاختلالات السلوكية والأخلاقية المتزايدة بين التلاميذ.
تدارس البنية القانونية والحاكمة والمجلس الأعلى للتهذيب
واستكمالا لما تم تشخيصه وتأصيله في الجلسات الأولى من نقاشات رواق الفكر الوطني، واستجابة لضرورة صياغة رؤية تشريعية ومؤسسية تضمن للمدرسة الجمهورية البقاء والاستمرارية بعيدا عن الهزات السياسية، انتقلت النخبة إلى تدارس البنية القانونية الحاكمة والمتمثلة في القوانين التوجيهية المنظمة للتعليم، والدور المحوري المنوط بالمجلس الأعلى للتهذيب.
أولا: المجلس الأعلى للتهذيب.. بين النص القانوني والفاعلية الميدانية
شكل المجلس الأعلى للتهذيب محورا رئيسيا في تقييمنا للمنظومة الحالية، وإننا كأعضاء في هذا الرواق الفكري نرى أن إيجاد هيئة وطنية عليا تعنى بالرقابة والتخطيط الإستراتيجي للتعليم هو خطوة في الاتجاه الصحيح من الناحية النظرية، إلا أن العبرة تظل دائما بمستوى الاستقلالية والفاعلية التي تتمتع بها هذه المؤسسة.
• تحرير المجلس من البيروقراطية والوصاية: يرى المجتمعون أن المجلس يجب ألا يتحول إلى ملجأ للمتقاعدين أو هيئة استشارية تستدعى فقط لتزكية القرارات السياسية الجاهزة، وإن فلسفة وجوده تقتضي أن يكون سلطة دستورية مستقلة تمتلك قوة القانون في فرض معايير الجودة ومحاسبة القائمين على تنفيذ خطة المدرسة الجمهورية.
• توسيع التمثيلية: طالبت النخبة بضرورة إعادة النظر في تشكيلة المجلس وآليات اختيار أعضائه، بحيث يضم خبراء حقيقيين في علوم التربية، وممثلين فعليين عن الأسرة التعليمية الميدانية (من أساتذة ومعلمين عانوا من مرارة الطباشير واكتظاظ الفصول)، بالإضافة إلى ممثلين عن مجالس الآباء في المناطق المغبونة (مثل “أدوابه” والحواضر الداخلية)، لضمان أن تنبع التقارير والتوصيات من واقع الميدان لا من المكاتب المكيفة.
• الصلاحيات الرقابية الصارمة: يجب منح المجلس سلطة النقض على أي قرارات أو تعيينات لا تحترم معايير الكفاءة والاستحقاق البيداغوجي، لقطع الطريق أمام الوساطات والتراضي السياسي الذي أفسد تجربة مدارس الامتياز سابقا وتكاد تعصف بآمال المدرسة الجمهورية اليوم.
ثانيا: مراجعة وترسانة القوانين المنظمة للتعليم
يرى الرواق أن الأزمة في موريتانيا نادرا ما كانت أزمة نصوص، بل هي أزمة تطبيق وإنفاذ للقوانين، ومع ذلك فإن الانتقال نحو المدرسة الجمهورية يفرض ترسانة قانونية جديدة تتلاءم مع فلسفة العدالة الاجتماعية وتنهي عهد الفوضى التجارية في التعليم الخاص، وفي هذا الصدد نوصي بالتالي:
• قانون تجريم السمسرة بالتعليم العام: نقترح صياغة قانون صارم يمنع منعا باتا استغلال الأكفاء من مدرسي القطاع العام في المدارس الحرة خلال أوقات الدوام الرسمي، وتجريم أي تلاعب بالجدول الزمني للمدرس لصالح القطاع الخصوصي، وإن الهجرة المعرفية التي حدثت منذ التسعينيات يجب أن تتوقف بقوة القانون، بحيث يلزم المدرس بالوفاء لعقده مع الدولة أولا وأخيرا.
• قوننة معايير البنية التحتية والملاءمة المكانية: يجب إلزام المستثمرين في التعليم الخاص (الذين ما زالوا يمارسون نشاطهم في الفترات الانتقالية) بقوانين صارمة تحدد المواصفات الهندسية للمباني، وتمنع فتح مدارس في مستودعات أو فوضى عمرانية غير مهيأة تربويا، وفي المقابل يجب أن ينص القانون على الحد الأقصى للكثافة الطلابية في التعليم العمومي (بحيث لا يتجاوز الفصل 40 تلميذا كحد أقصى)، واعتبار وصول الكثافة إلى 177 تلميذا في بعض المقاطعات كعرفات بمثابة مخالفة قانونية جسيمة تستدعي المساءلة الفورية للقيمين على التخطيط.
• قانون حماية المدرس وحرمة المؤسسة التعليمية: تماشيا مع تشخيصنا لحالة الانفلات الأخلاقي والسلوكي داخل المدارس، نرى ضرورة سن قانون خاص يحمي المدرس ماديا ومعنويا، ويعيد له هيبته الاعتبارية، هذا القانون يجب أن يتضمن عقوبات رادعة وقاسية (تربوية وجنائية) ضد أي اعتداء لفظي أو جسدي يتعرض له المدرس من قبل التلاميذ أو أولياء أمورهم، لإعادة الانضباط الذي كان سائدا في العقود الماضية.
ثالثا: خريطة طريق للمرحلة الانتقالية
إننا كنخبة وطنية، ندرك أن إغلاق عهد التعليم الخاص وتوحيد الموريتانيين خلف طاولة مدرسية واحدة لن يحدث بين عشية وضحاها، وأن الصدمات الفجائية قد تؤدي إلى نتائج عكسية، لذلك نقترح خريطة طريق مرحلية تقوم على الآتي:
• التفكيك التدريجي للامتياز الطبقي: البدء الفوري في دمج مدارس الامتياز تدريجيا ضمن المنظومة العامة من خلال تعميم وسائلها، وسحب امتيازات الوساطة عنها، وتحويل طاقتها التدريسية المتميزة لخدمة المدارس الأكثر اكتظاظا وهشاشة، تحقيقا لمبدأ كل المدارس امتياز.
• التأميم التربوي غير المباشر: بدلا من محاربة التعليم الخاص بالمواجهة الجافة، نقترح تفكيكه اقتصاديا واجتماعيا، وذلك من خلال رفع جودة المدرسة العمومية وتقديم إغراءات مادية ثورية للمدرسين، مما يدفع المستثمرين في القطاع الخاص إما لتطوير خدماتهم بشكل يعجزون معه عن منافسة الدولة، أو الانسحاب تلقائيا من السوق بعد استعادة المواطن لثقته في التعليم العمومي.
• إلزامية التعليم الأساسي الموحد: تفعيل النص القانوني الذي يفرض على جميع المواطنين، دون استثناء، تدريس أبنائهم في المرحلة الابتدائية (الأساسية) داخل المدارس الجمهورية الحكومية، مع فرض عقوبات وغرامات تصاعدية على الأسر التي تحاول الالتفاف على هذا القانون عبر مدارس أجنبية أو خاصة غير مرخصة لهذه المرحلة.
خاتمة وبيان ختامي لـ “رواق الفكر الوطني”
إن صياغة هذا البيان الختامي الصادر عن “رواق الفكر الوطني” تأتي كصرخة وعي ومسؤولية تطلقها بعض النخبة الموريتانية في لحظة تاريخية فارقة، لتضع أمام صناع القرار والرأي العام وثيقة إستراتيجية لا تحتمل التأجيل، وتؤكد من خلالها أن إصلاح التعليم ليس مجرد ملف خدمي أو قطاعي عادي، بل هو معركة وجودية مصيرية ترتبط ارتباطا كليا بصيانة الهوية الوطنية الجامعة وحماية السلم الأهلي والاجتماعي في بلد عانى عقودا من التهميش التربوي والفرز الطبقي.
إن التدقيق في مسار العقود الأربعة الماضية يوضح كيف تحول المرفق التعليمي من منارة للقيم والانضباط المعرفي إلى ساحة للفوضى الاستثمارية والخصخصة العشوائية التي أفرغت المدارس العمومية من كفاءاتها، وصنعت شرخا معرفيا وتربويا عميقا، وهو ما يجعل من المدرسة الجمهورية مشروعا إنقاذيا بامتياز، شريطة ألا يتم التعامل معه كشعار سياسي استهلاكي لربح الوقت أو كسب الولاءات الحزبية، بل كخيار وطني مقدس وعابر للحكومات والأنظمة والتحولات السياسية.
إن العبور الآمن نحو هذا الأفق يتطلب التخلي الفوري عن عقلية التردد والتسويف، فمنطق الانتظار حتى الجاهزية اللوجستية المطلقة في عالم التخطيط الإستراتيجي هو منطق يقود للعطالة الأبدية ويكرس الواقع الفاسد، ولذلك وجب البدء الفوري برصد أموال ضخمة وضخ ميزانيات استثنائية وغير تقليدية تحدث ثورة حقيقية في البنية التحتية والمناهج والمقررات المحدثة، وتضمن القضاء على مظاهر الاكتظاظ الخانق والتفاوت الصارخ في الكثافة الطلابية بين المؤسسات والمناطق، خاصة في الأرياف والتجمعات الهشة و”أدوابه”.
وتقع في قلب هذه الثورة المالية عملية رد الاعتبار الجذري للمدرس الموريتاني، من خلال رفع الأجور والمخصصات بشكل ثوري يضمن له العيش الكريم ويقطع دابر الهجرة العكسية نحو القطاع الخاص، بالتوازي مع مراجعة سياسات الصناديق الاجتماعية كصندوق السكن وإدارتها بهندسة مالية حكومية جريئة ومستقلة، كما يتطلب ذلك تفعيل آليات التدريب المستمر وصياغة ترسانة قانونية رادعة تحمي كرامة المعلم وحرمة المؤسسة التعليمية، وتستعين بأسلاك أمنية متخصصة كالحرس المدرسي وخبراء علم النفس التربوي لإعادة الانضباط السلوكي والأخلاقي داخل الحرم المدرسي بعد سنوات من الانفلات.
إن تحقيق العدالة الاجتماعية لا يتعارض أبدا مع الجودة المعرفية، بل إن إلزامية التعليم الأساسي الموحد وتذويب الفوارق المصطنعة التي خلفتها مدارس الامتياز والتعليم الحر (الذي نخر جسد المنظومة كالسرطان) سيجعل من المجتمع بكافة أطيافه، وبخاصة الفئات الميسورة، حراسا حقيقيين للجودة ومراقبين دائمين عليها عبر مجالس آباء التلاميذ وبصلاحيات واسعة وفعالة، ومدعومة بمجلس أعلى للتهذيب يتمتع باستقلالية دستورية كاملة وبعيدة عن المحاصصة والبيروقراطية.
إننا في “رواق الفكر الوطني” نختم هذا البيان بالتشديد على أن تلميذ اليوم هو مواطن الغد، وأن حرمانه من حقه في تعليم عادل ومجاني ومتميز، هو مقامرة بمستقبل الأمة الموريتانية بأسرها، وإن الإصلاح الجسور والشجاع الذي يبدأ فورا ويصحح مساره بالتجربة والميدان هو خيارنا الإستراتيجي الأوحد والوحيد لتأسيس غد موريتاني مشرق، قائم على قيم الإنصاف والوحدة والتميز المعرفي والمدني المعطاء.

مقالات ذات صلة