
في مهرجان حاشد بكيهيدي.. رئيس الجمهورية يدعو إلى تعزيز رباط المواطنة وتقديمه على كل ما سواه
كيهيدي8 فبراير 2026
أكد فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، مساء اليوم الأحد، خلال مهرجان حاشد في مدينة كيهيدي، على ضرورة تعزيز رباط المواطنة وتقديمه، في الرتبة والاعتبار، على كل ما سواه، مشددا على أن بناء الوطن وتحقيق طموحات الشعوب يبدأ من هذا الالتزام الوطني.
وأضاف فخامته أن موريتانيا اليوم بلد آمن ومستقر، وأن مؤسسات الدولة تعمل بانتظام، داعيا المواطنين إلى الحفاظ على هذا الاستقرار من خلال وحدتهم الوطنية، التي هي الحصن الحصين أمام كل التحديات، وأساس الاستقرار السياسي والاجتماعي، والشرط الأول لتنمية وازدهار البلد.
وفيما يلي نص خطاب رئيس الجمهورية:
“بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
يسرني، ويسعدني حقا، أن أكون بينكم اليوم، في هذه الولاية الجميلة ذات التاريخ العريق.
وكنت أود أن أخاطبكم بالبولارية أو السونونكية، إلا أنني لم أحظ للأسف بفرصة تعلم لغاتنا الوطنية.
ولن أدخر جهدا في أن يتمكن كل الموريتانيين مستقبلا من التواصل بينهم أيا كانت اللغة الوطنية المستخدمة.
وسيكون الخطاب اليوم، مصحوبا بالترجمة.
وإنني لأقول لكم اليوم شكرا جزيلا لكم على حسن استقبالكم وكرم ضيافتكم الأصيل وعلى هذا الحشد الجماهيري المتميز. فهذا الحشد الكبير، صورة مصغرة لوطننا العزيز.
أرى، أمامي، نماذج من كافة مكونات مجتمعنا، بكل فئاته، وخصائصه الثقافية المتنوعة يجمعها الرباط الوطني المتين، والهوية العقدية الجامعة، والتاريخ والمستقبل المشتركان.
هذه الصورة هي التي نعمل على ترسيخها في مختلف ربوع الوطن، صورة شعب متماسك، متضامن، مؤمن بقدرته على بناء وطن يوفر للجميع، في ظل الديمقراطية، والعدالة، وظروف العيش الكريم، والنماء والازدهار.
ما جئتكم اليوم، في إطار استحقاق انتخابي ولا بدافع أزمة أو ظرف طارئ، جئتكم للتواصل المباشر، والتداول معكم حول الأوضاع العامة للبلد، والاطلاع ميدانيا على أوضاعكم ومشاكلكم، والإصغاء لآرائكم بخصوص ما يواجه ولايتكم، والوطن عموما.
أنتم اليوم، كلكم، على وعي بما يمر به العالم من أزمات كثيرة ومتنوعة: أمنية، واقتصادية، وبيئية. ومن أبرز انعكاسات هذا الوضع الدولي المتأزم على محيطنا الإقليمي المباشر، ما نشهده من تفش للنزاعات والإرهاب، والعنف المسلح، المقوض للأمن والاستقرار والتنمية، لكن بلدنا، استطاع أن يحافظ على أمنه واستقراره، وذلك بحول الله وقوته، وباعتمادنا على وعي المواطنين، ويقظة قواتنا المسلحة والأمنية، وحسن تدبيرنا للملف الأمني.
إن بلدنا، اليوم، آمن ومستقر، ومؤسساته تعمل بانتظام، وهذه نعمة كبيرة نحمد الله عليها، ويجب أن نحافظ عليها باليقظة والعمل المستمر.
ومن أهم ما يحمي هذا الأمن والاستقرار وحدتنا الوطنية، التي هي حصننا الحصين أمام كل التحديات، وأساس استقرارنا السياسي والاجتماعي، والشرط الأول لتنميتنا وازدهارنا.
ولأجل تعزيز هذه الوحدة، عملنا منذ البداية، على تهدئة الساحة السياسية، بنزع ما طبعها لسنوات عديدة من توتر، ونزاع، وتنافر، وجفاء كانت مفاعيله السلبية تسري في الحياة الاجتماعية عموما، وفي سبيل ذلك اعتمدنا نهج الانفتاح، والتشاور مع الجميع، وأجرينا لقاءات مع مختلف الأطراف، وأطلقنا مسارا تحضيريا، توشك حلقاته على الاكتمال، لعقد حوار شامل لبناء إجماع وطني حول كبريات القضايا الوطنية.
إن ما يجمعنا أعمق وأقوى بكثير مما قد نختلف حوله، فاختلافنا هو، في الغالب، اختلاف في الرأي، لا في الهدف، فكلنا نريد موريتانيا موحدة، مستقرة، ومتقدمة، يسودها العدل والحرية والمساواة.
وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، عملنا، من بين أمور أخري، على: تعزيز قيم التضامن، والعدل، والإخاء؛ ومحاربة الفقر والهشاشة والإقصاء؛ وإصلاح العدالة، ومحاربة الفساد وتعزيز دولة القانون؛ وترسيخ المدرسة الجمهورية؛ والتوسع في توفير وتطوير الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وصحة؛ وتنمية وتطوير قطاعاتنا الإنتاجية كالزراعة، والتنمية الحيوانية؛ وترقية القطاع الخاص، وتطوير البنى التحتية الداعمة للنمو.
وقد مكننا كل ذلك من تحقيق نمو اقتصادي مهم، تراوح بين 4.5 و6%، طيلة السنوات الست الماضية، مع المحافظة على التوازنات الاقتصادية الكبرى والتحكم في التضخم.
تلعب ولايتكم دورا أساسا في ما نسعى إليه من نهضة اقتصادية بحكم ما تمتلكه من مقدرات زراعية وحيوانية مهمة، تجعلها إحدى ركائز سيادتنا الغذائية.
وقد عملنا على ترقية هذا الدور ببناء السدود، وشق القنوات واستصلاح الأراضي، وتحسين الصحة الحيوانية، وفك العزلة، وتوفير الماء، والكهرباء، والتعليم، والصحة.
وسيعود أعضاء الوفد خلال الاجتماعات المقاطعية، كل في ما يعنيه، إلى تفصيل ما تم إنجازه وما هو قيد الإنجاز وما هو مبرمج على مختلف هذه المستويات.
إن غاية كل ما قمنا به من جهود سياسية كانت أو تنموية أو اجتماعية هي تقوية لحمتنا الاجتماعية وتعزيز وحدتنا الوطنية.
وأريد هنا أن أتطرق قليلا إلى مفهوم الوحدة الوطنية.
نحن شعب متنوع، يرى في اختلاف اللغات والموروث الثقافي والتقاليد، ثروة يعمل جاهدا على صونها وتعزيزها، والاختلاف، بهذا المعنى، حق أصيل لا مساومة فيه، لكن لا ينشأ عنه، من حيث هو، حق آخر أيا يكن. فالحقوق، كل الحقوق، لا تكون إلا بعنوان المواطنة حصرا.
وحتى إذا ما اعتمدنا تمييزا إيجابيا لفئة ما، فإنه تمييز ممنوح بحكم المواطنة، دعما لمواطنين هم في وضعية تستدعي سندا خاصا ولا علاقة له مطلقا بمكونة مخصوصة.
ولو أننا رتبنا، بنحو شامل ومطرد، الحقوق على الاختلاف بحيث يكون كذا حق لهذه المكونة لأنها مختلفة، وكذا لمكونة أخرى لأنها مختلفة لعرضنا ذلك لثلاث مخاطر:
1 – لكُنا تحولنا من شعب ذي تنوع، يصهره كيان وطني مشترك إلى مجرد مجموعات تتنازع الحقوق وتتدافع الواجبات.
2 – ولما بقى معنى ولا أثر فعلي لوحدتنا الوطنية
3 – ولما بقيت لدولتنا فرصة حقيقية في الاستمرار والاستدامة.
هذه المخاطر الثلاثة، التي توقفت عندها، لا يحمي منها إلا رباط المواطنة، الذي طالما دعوتكم، في العديد من المناسبات، إلى تعزيزه، وتمتينه، وتقديمه، رتبة واعتبارا، على كل ما سواه من الروابط الأخرى، فأساس الدولة العصرية، وجوهر الوحدة الوطنية، هو رباط المواطنة.
والمراد عندي من تعزيز هذا الرباط هو ترسيخ قوة انتمائنا لهذه الأرض؛ وتعزيز التزامنا بالعيش المشترك عليها؛ وتكثيف جهودنا لتنميتها وترقيتها في إطار المساواة في الحقوق والواجبات.
ولم أدخر جهدا في سبيل تعزيز هذا الرباط، توطيدا لوحدتنا الوطنية ولحمتنا الاجتماعية، وهكذا عملنا على تغيير العقليات وتجاوز المسلكيات البائدة؛ ومحاربة الأحكام المسبقة والصور النمطية والنفس الشرائحي والقبلي الهدام؛ وتقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية وكسر حواجز الطبقية.
وقد مكننا العمل على مختلف هذه المستويات من تحقيق إنجازات كثيرة، عززت مكاسب الجهد التراكمي لأجيالنا المتعاقبة، على مر تاريخ بلدنا.
وإن تاريخ بلدنا، كتاريخ كل الشعوب، مليء بالصفحات المشرقة، وبه بعض الفقرات التي نود لو أنها ما كتبت أصلا.
والحياة البشرية، بطبيعتها، محاسن هنا وأخطاء هناك، فما من مكونة، اجتماعية أو جهوية، إلا وقد آذت أو تأذت من أخرى، وما من مكونة إلا ووقع عليها ظلم أو مارسته هي نفسها إما على مكونة أخرى أو على بعض أفرادها هي نفسها، غير أن قوة الشعوب تقاس بقدرتها على الاعتراف بتاريخها، كل تاريخها، وبشجاعتها في تجاوز لحظاته العصيبة، للاستمرار في تعزيز وتقوية العيش المشترك.
فكم من شعب عاش مآس عميقة وفظائع لا توصف ثم تسامى، وتجاوز، واستمر في البناء والتقدم والنماء.
فلا أمل لشعب رضي أن يظل أسيرا للحظة معينة من تاريخه، مهما كانت مؤلمة.
وقد آن الأوان لشعبنا، أن يتحمل مسؤوليته بكل شجاعة تجاه تاريخه، كل تاريخه، وأن يتحلى بالإرادة والعزيمة من أجل بناء مستقبل مشترك، مشرق ومزدهر.
ولذا، فإنني أجدد التأكيد على ضرورة تعزيز رباط المواطنة وتقديمه، في الرتبة والاعتبار، على كل ما سواه.
فبذلك تبنى الأوطان، وبه تتحقق طموحات الشعوب.
أشكركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته”



