أولاد امبارك الامارة التي لا ينساها التاريخ

في فضاءٍ يتماوج بين الرمال وسماءٍ لا تنتهي، نشأت قبيلةٌ من بني حسان، حمل فرسانها السيف كما حمل فنانوها الفن والأدب. أولاد امبارك… أحفاد امبارك بن امحمد بن عثمان بن مغفر، الذين أسسوا في شرق البلاد إمارةً امتدت نحو قرنٍ كامل أو يزيد، قرنٌ من الحروب والغزوات والتمدد، من الحوضين ولعصابة حتى باغنه في مالي. خاضوا معاركهم بفروسيةٍ لا تعرف التراجع، ووسعوا نفوذهم حتى صار اسمهم مرادفاً للقوة في تلك التخوم.

كان للطبل عندهم شأنٌ خاص. طبلهم المسمّى الرزام لم يكن مجرد أداة إيقاع، بل كان صوت القبيلة حين تغضب وحين تفرح، يوقظ النيام في الليل ويعلن عن قدوم الفارس من بعيد. وكانت خيلهم أصيلةً معروفةً باسم اجريبات، خيلٌ تسبق الريح وتُعرف بجمالها وسرعتها، حتى صارت رمزاً آخر من رموز فروسيتهم.

ثم جاء السقوط في منتصف القرن التاسع عشر على يد مشظوف، فتهاوت الإمارة كما تتداعى الخيام في عاصفةٍ شديدة. لكن أمير مشظوف أمر بإبقاء الشعراء أصحاب العهد منهم معه وكرّمهم، ونفى من لا عهد له من إيگاون، فصار معظم إيگاون أولاد امبارك في مشظوف، يحملون معهم لحن الإمارة القديمة.

تحت خيامهم، لم يكن أمير أولاد امبارك مجرد حاكم، بل كان قصيدةً تمشي على قدمين. يجلس الشاعر أمامه فيجد في وجهه قصيدةً جاهزة: في جبينه وزنٌ، وفي عينيه قافية، وفي صمته بيتٌ لم يُكتب بعد. من هذا اللقاء وُلد التهيدين، تلك الملحمة الحسانية التي حفظتها اليونسكو ضمن التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صونٍ عاجل.

كانوا رواد الطرب الحساني، ومخترعي أدوات الفن الموريتاني: التيدنيت ومقاماتها الساحرة، الآردين ورقته الموسيقية، ولغن الذي صار معيارًا للفروسية والرجولة وإيقاعاً يمشي على الألسنة ويهدهد النفوس في ليالي الوجد والسهاد.

لم يقتصر أثرهم على الفن، بل امتد إلى اللغة ذاتها، فأسهموا في تطوير اللهجة الحسانية والمحافظة على لبنات دمجها الأولى مع لغات أهل الجوار حتى صارت هذه اللهجة المحكية اليوم.

ومع سقوط الإمارة تفرقت بطونهم في الأرض. دخل بعضهم في مشظوف، وهاجر آخرون شمالاً نحو لعصابة، بينما امتدت جذور كثيرين إلى أزواد حيث استقرت عائلات أهل بهدل وأهل هنون لعبيدي وفونتي وقبائل تدبوكَ، يحملون في أسمائهم صدى الإمارة القديمة.

اليوم، حين يمر المسافر في الحوضين أو لعصابة أو في سهول باغنه، ويسمع في سكون الليل بيتاً قديماً أو لحناً يكاد ينسى اسم قائله، فإنه يسمعهم. لأنهم فهموا مبكراً أن السلطة تموت، أما الجمال فلا. تركوا لنا طريقةً في الشعور بالصحراء، وفي جعل الذاكرة مدادًا لا ينتهي… ولهذا لا ينساهم التاريخ.

مقالات ذات صلة