ملف مدوني الخارج: لا حصانة للابتزاز ولا استثناء من الحقوق

 

قيمة الموقف الحقوقي تظهر حين تكون القضية موضع خصومة، وحين يصعب الدفاع عن المبدأ من دون أن يفهمه البعض انحيازا إلى أحد أطرافها. وفي ملف «مدوني الخارج»، ينبغي أن يكون الموقف واضحا: من حق كل شخص أن ينتقد السلطة ويكشف الفساد، ومن حق كل إنسان أن تحمى كرامته وحياته الخاصة من التهديد والتشهير، ومن واجب الدولة أن تحقق في الشكاوى ضمن إجراءات عادلة.

أعلن الناطق باسم الحكومة، في السابع من أكتوبر، أن عدد الموقوفين بلغ سبعة عشر شخصا، وأن القضية لا تزال في مرحلة البحث والتحري، مؤكدا احترام قرينة البراءة وضمانات الموقوفين. وهذا يقتضي التمييز بين ما تعرضه السلطات من شبهات وما يثبته التحقيق من وقائع؛ فالتوقيف لا يحسم المسؤولية، والتوصيف الحكومي لا يغني عن الأدلة.

لكن عدم حسم الاتهامات لا يمنع إدانة الابتزاز كممارسة. فالتهديد بالتشهير للحصول على المال اعتداء لا تبرره معارضة النظام، ولا يمنحه شعار مكافحة الفساد شرعية. ومن يمتلك وثائق تكشف تجاوزات، فإن مسؤوليته أن يتحقق منها ويستخدمها لخدمة الحقيقة والمصلحة العامة. أما تحويلها إلى وسيلة للمساومة، فيحرم المجتمع من المعرفة ويجعل الصمت سلعة.

وتزداد خطورة هذه الممارسات حين تستخدم سمعة النساء وحياتهن الخاصة للضغط على أسرهن. لا يجوز أن تدفع امرأة ثمن موقع زوجها أو والدها، أو أن تتحول خصوصيتها إلى ساحة لتصفية حسابات لا علاقة لها بها. وحقها في الحماية لا يتغير بحسب قرب أسرتها من السلطة أو بعدها عنها؛ فالكرامة حق للجميع.

وبالمعيار نفسه، لا تصلح القرابة دليلا على المشاركة في جريمة. يجب أن تقوم مساءلة كل شخص على أفعال محددة وأدلة تخصه، وأن يتمكن من معرفة ما ينسب إليه والدفاع عن نفسه. وقد نقلت وكالة الأخبار المستقلة، في الثلاثين من سبتمبر، اعتراض المحامي يعقوب السيف على عدم تمكينه من التواصل مع موكليه. وفي السابع من أكتوبر، أكد الناطق باسم الحكومة حرية المحامين في متابعة أوضاع الموقوفين. والفاصل الزمني بين التصريحين يمنع افتراض استمرار الوضع نفسه، لكنه يجعل توضيح ما اتخذ من إجراءات لضمان التواصل أمرا ضروريا.

ولا يكتمل التحقيق بمجرد تتبع من تلقى الأموال. فإذا ثبت ارتباط تحويلات بالابتزاز، وجب تحديد مصدرها والغرض منها ومسؤولية الأطراف المتصلة بها، مع التمييز بين ضحية دفعت تحت التهديد وطرف موّل التشهير أو استعمله لضرب خصومه. كما يجب التحقيق في أي وقائع فساد تكشفها الأدلة، حتى لا تصبح ملاحقة الابتزاز وسيلة لدفن الملفات التي استغلها أصحابه.

هنا تقع مسؤولية السياسيين والحقوقيين: المطالبة بحقوق الموقوفين من دون منحهم براءة سياسية مسبقة، والمطالبة بحماية المشتكين من دون تحويل رواياتهم إلى أحكام نهائية. ومن يرفع شعار العدالة مطالب بأن يقبل تطبيقه على حلفائه كما يطالب بتطبيقه على خصومه.

ستقاس جدية التعامل مع هذا الملف بالأدلة التي يقدمها التحقيق، وبقدرته على الوصول إلى كل من تثبت مسؤوليته، وباحترامه حقوق جميع الأطراف. فالبلد يحتاج إلى مساءلة تمنع شراء الصمت، وإلى ضمانات تمنع إسكات النقد، وإلى قانون لا تمنح الأموال والمناصب استثناء منه.

بقلم:آمنة المختار كاتبة موريتانية

مقالات ذات صلة