
# بفقد الصلحاء تضيع القيم وتقلّ الحكمة **بقلم: د. محمد الراظي بن صدفن*
إن رحيل الصالحين والعلماء ليس فقدًا لشخص فحسب، وإنما هو فقد لجانب من جوانب الحكمة والقيم والذاكرة الحية للمجتمع. فحين يغيب رجل عُرف بالصلاح والحكمة وخدمة الناس وتهذيب النفوس، تشعر الجماعة أن شيئًا عزيزًا من رصيدها الأخلاقي والإنساني قد غاب معه.
وفي 19 سبتمبر 2026م، فقدت مدينة تجكجة، والأمة الموريتانية، وأهل العلم والصلاح، وجميع محبي الخير، الرجل الصالح العارف بالله **محمد عبد الرحمان ولد محمد محمود ولد محمد أحيد ولد سيدي عبد الله ولد الحاج إبراهيم**، رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.
وكان الفقيد سليل دوحة من العلم والمعرفة؛ فجده **سيدي عبد الله**، قدّس الله روحه، من العلماء الشناقطة الربانيين المؤسسين لعلم الأصول في البلاد، وقد طار ذكره في الآفاق شرقًا وغربًا، وكان له دور بارز في نشر الثقافة العربية والإسلامية في المشرق والمغرب وفي إفريقيا جنوب الصحراء.
وقد أثّرت مدرسته تأثيرًا كبيرًا في مختلف البلدان التي وصل إليها إشعاعها، فقهًا وتصوفًا وأدبًا ولغة، حتى غدت آثارها ممتدة في أجيال متعاقبة من العلماء وطلاب العلم، شاهدة على رسوخ هذه الدوحة العلمية واتساع عطائها.
لقد غادر المرحوم دنيانا بعد رحلة حافلة بالعبادة والعلم والصلاح، وتبنّي فكر الإصلاح والعمل بما ينفع الناس ويمكث في الأرض. وهو من آخر رجالات العلويين الكبار الذين جمعوا بين رسوخ الانتماء إلى الأرض وعمارتها، والتمسك بالقيم الدينية، والانفتاح على الغير دون تمييز، وصون علاقات الأخوة مع الجيران.
لقد أسس المرحوم مركز **«القبة»** بجوار ضريح والده العلامة سيدي عبد الله، وقد عُرف بتعلقه بكتاب الله، وهو من الحفّاظ الذين لهم قدم راسخة في مجال التلاوة والتجويد، ومعرفة بسير الأنبياء والصالحين. وكان واسع الاطلاع، ذا ثقافة واسعة في التاريخ والأنساب واللغة والأدب وغيرها، كما عُرف بكرمه الأصيل، وحسن ضيافته، ورعايته للمقيمين والوافدين على الضريح بقصد الزيارة.
ومن مآثره المشهودة ما أنشأه هناك من بنى تحتية مدرسية، وسدود، وآبار ارتوازية، ومساجد، إلى جانب توفير السقاية، لا سيما في الفترات الصعبة، للوافدين على المنطقة من مختلف أنحاء الوطن وللمقيمين فيها على حد سواء. فترك بذلك أثرًا نافعًا وذكرًا حسنًا سيظل شاهدًا على إخلاصه، وسعة صدره، ونبل مقاصده.
إن أمثال هؤلاء الرجال يمثلون جسرًا بين العلم والعمل، وبين المعرفة والأخلاق، وبين العبادة وخدمة الخلق. وبرحيلهم لا نفتقد فردًا من أفراد المجتمع فحسب، وإنما نفتقد نموذجًا من النماذج التي كانت تحفظ للناس شيئًا من الحكمة، وللمجتمع شيئًا من توازنه وقيمه.
لقد عاش المرحوم كريمًا عفيفًا، شامخ الرأس، قوي الشكيمة، عزيز النفس، محافظًا على مروءته، وأقبل على ربه بما قدّم من أعمال الخير والبر وخدمة الناس.
وإذا كان الموت حقًا على كل نفس، فإن عزاء محبي المرحوم وأهله وذويه أن الرجل عاش حياة حافلة بالخير، وترك ذكرًا طيبًا، وسيرة حسنة، وأثرًا باقيًا في نفوس من عرفوه.
نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يعفو عنه، ويكرم نزله، وأن يجعل ما قدمه من علم وخير وإحسان وخدمة للناس في ميزان حسناته، وأن يرفع درجته في المهديين، ويلحقه بالصالحين، ويبارك في عقبه من بعده.
ونحسبه عند الله من أهل الخير والصلاح، ولا نزكي على الله أحدًا، ونرجو له ما وعد الله به عباده الصالحين من الرحمة والرضوان وحسن المآب.
قال تعالى:
**﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾**
رحم الله الفقيد رحمة واسعة، وأكرم وفادته، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، وألهم أهله وذويه ومحبيه جميل الصبر وحسن العزاء.
فبفقد الصلحاء تضيق مساحات الحكمة، وتفقد المجتمعات بعضًا من بوصلتها الأخلاقية، لكن عزاءنا أن آثارهم الطيبة تبقى حية، وأن ما زرعوه من خير يظل شاهدًا عليهم، ممتدًا في الناس والأجيال.


