
الاستبداد ظاهرة خطيرة على تماسك الدول
لا يبدأ الاستبداد عادةً بقرار، بل يبدأ بكلمة، كلمة مديح تتكرر، ثم تتضخم، حتى تتحول إلى يقين في ذهن الحاكم: “أنت وحدك القادر، ولا أحد يستطيع أن يحل محلك، امعاك ذه الشعب بكدو محال يتغير عهدو، مشيك محض ارزية…. وهكذا
لا يصنع الطغيان حاكمٌ بمفرده، بل تصنعه أيضًا حاشيةٌ ترى في الحقيقة خطرًا، وفي الصراحة تهديدًا، وفي النفاق طريقًا إلى النفوذ والمصلحة . ومع مرور الوقت، يختلط على الحاكم صوت الوطن بصوت المصفقين، فيظن أن الهتاف في القصور هو نبض الشارع، وأن المديح المتواصل دليل على الرضا الشعبي.
لقد أدرك عبد الرحمن الكواكبي هذه الحقيقة مبكرًا حين كتب في #طبائع_الاستبداد «المستبد لا يرى إلا نفسه، ولا يسمع إلا ما يوافق هواه .» فالاستبداد لا يعيش بالقوة وحدها، بل يعيش أيضًا ببيئةٍ تخشى قول الحقيقة.
ولذلك كان الخلفاء الراشدون يحرصون على عكس ذلك تمامًا. فقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في أول خطاب له: «أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم.» أما عمر بن الخطاب فكان يقول: «رحم الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي.» إنها ثقافة تعتبر النقد ضمانةً للحكم الرشيد، لا خطرًا عليه.
والتاريخ مليء بالعبر . فما سقطت دولٌ كثيرة لأن أعداءها كانوا أقوياء، وإنما لأنها صدقت أوهامًا صنعها المادحون. فقبل سقوط الملكية في فرنسا، كان البلاط يعيش في عالمٍ من الثناء والترف، بينما كانت معاناة الناس تتفاقم خارج أسوار القصور، حتى جاءت الثورة لتكشف الفجوة بين الحقيقة والصورة التي رسمها المنافقون.
إن الأوطان لا يحميها وجود “الزعيم الذي لا يُستغنى عنه”، بل تحميها المؤسسات، وسيادة القانون، وتداول المسؤولية، ووجود رجال يملكون شجاعة قول الحقيقة في وجه السلطة. فالحاكم الذي يسمع من يخالفه، أقوى من الحاكم الذي لا يسمع إلا التصفيق.
فالتصفيق قد يملأ القاعات… لكنه لا يبني الأوطان. أما الحقيقة، وإن كانت مُرّة، فهي وحدها التي تحفظ الدول من السقوط.
وفي وطننا، في ظل عالمٍ متلاطم الأمواج، ووضعٍ إقليمي ساخن، ومطامعٍ لا تخفى من بعض الجيران، فإن ما يحفظ استقرار الدولة ويصون وحدتها ليس العبث بقواعد اللعبة السياسية، بل احترام الدستور، وصون إرادة الشعب، وترسيخ مبدأ التداول السلمي على السلطة. فكل تغييرٍ للدستور يُفرض قسرًا على إرادة المواطنين هو لعبٌ بالنار، قد يفتح أبوابًا لا تُغلق، بينما يبقى الاحتكام إلى القانون واحترام الإرادة الشعبية هو الضمانة الحقيقية لأمن الوطن ومستقبله.
محمد المختار هدَّم




