
موريتانيا أوّلاً بقلم: د.محمد الراظي بن صدفن
في زمنٍ تتشابك فيه الأزمات وتتعقّد فيه المشاهد السياسية، تبقى قضية الهوية الوطنية والانتماء إلى الوطن الجامع من أعمق القضايا وأكثرها إلحاحاً. فحين يتساءل المواطن الموريتاني عن موقعه في هذا البناء الكبير، وحين يطالع مساحات الحوار العام مشحونةً بالتجاذبات والمظالم، يصبح من الواجب الوطني أن يُرفع الصوت بهدوء ووضوح، وأن يُقال بكل جرأة ومسؤولية: موريتانيا أوّلاً.
فمن حيث السياق التاريخيّ : وُلدت الجمهورية الإسلامية الموريتانية في الثامن والعشرين من نوفمبر عام 1960، في إطار موجة التحرر الأفريقي التي اجتاحت القارة في مطلع الستينيات. غير أن الدولة الوليدة لم تكن مجرد كيان إداري استعماري جديد، بل كانت ثمرةً لتاريخ عريق، وامتداداً لحضارات متعاقبة تركت بصماتها عميقةً في وجدان هذا الشعب وتكوينه.
فمنذ إمبراطورية غانا العظيمة مروراً بدولة المرابطين المجيدة التي انطلقت من هذه الرمال لتُقيم حضارةً في المغرب الأقصى والأندلس، وصولاً إلى الكيانات القبلية والإمارات التي شكّلت النسيج الاجتماعي والثقافي للمجتمع الموريتاني ـ كل ذلك يشهد بأن هذه الأرض كانت دوماً أرض الامتزاج والتعدد.
يتميز المجتمع الموريتاني بتنوعٍ إثني وثقافي فريد يشمل مكونات العرب (البيظان) والزنوج الأفارقة بمختلف إثنياتهم: البولار والسونينكي والولوف. هذا التنوع، بما يحمله من ثراء حضاري، كان في الوقت ذاته مصدر تحديات هيكلية تراكمت مع الزمن وتشابكت جذورها.
ولا يمكن قراءة الحاضر الموريتاني دون استحضار هذه الخلفية التاريخية العميقة، إذ إن فهم الجذور هو الشرط الأول لبناء مستقبل متوازن وعادل.
لقد عبرت موريتانيا منذ استقلالها مساراً سياسياً متعرجاً اتسم بالتحولات الجذرية والتجارب المتعددة. من نظام الحزب الواحد في عهد الرئيس المختار ولد داداه، مروراً بالانقلابات العسكرية المتعاقبة التي شهدتها البلاد منذ عام 1978، وصولاً إلى مسيرة التحول الديمقراطي التي تسارعت وتيرتها في مطلع الألفية الثالثة.
و من أبرز المحطات والمكتسبات التي عرفتها الدولة:
• التأسيس الدستوري: حيث توالت الدساتير والمراجعات الدستورية الكبرى لتُرسخ ركائز الجمهورية، وكان دستور عام 1991 نقطة تحول نحو التعددية السياسية والحريات المدنية.
• البناء المؤسسي: أسهم مسار الإصلاح المؤسسي في بناء هياكل دولة عصرية من برلمان وقضاء وهيئات دستورية، مع ما شابها أحياناً من قصور في الاستقلالية والفاعلية.
• الانتخابات الرئاسية السلمية: شكّل عام 2019 منعطفاً تاريخياً بارزاً، إذ شهدت موريتانيا لأول مرة في تاريخها تناوباً سلمياً منظماً على السلطة من رئيس منتخب إلى آخر، مما أضفى شرعيةً لافتة وعزّز الثقة في الديمقراطية.
• الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي: سعت الدولة عبر خطط التنمية الوطنية وشراكاتها الدولية إلى معالجة التخلف وتوفير الخدمات الأساسية، وحقّقت تقدماً ملموساً في مؤشرات التعليم والصحة والبنية التحتية.
• مكافحة الفساد: شكّل خطاب مكافحة الفساد ومحاسبة المسؤولين السابقين الذي تبنّاه الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني ، رسالةً قوية في سيادة القانون وعدم الإفلات من العقاب.
وعلى الرغم من المكتسبات المُحقَّقة، تواجه موريتانيا اليوم تحديات جوهرية تهدد تماسك نسيجها الاجتماعي وتُعيق انطلاقتها نحو المستقبل و من أهمها:
1. قضية الوحدة الوطنية والمظالم التاريخية
تظل الوحدة الوطنية القضية المحورية التي لا تنمو الدولة بدون تحقيقها. إذ ما يزال الجرح الذي أحدثته أحداث عام ,
1981-1984-1988-1989-2003
نازفاً في الذاكرة الجماعية، وتبقى مسألة التعايش بين المكونات الإثنية المختلفة تحت وطأة الشعور بالظلم والتهميش حاضرةً بقوة في النقاش العام.
1. قضية الرق وتداعياتها
رغم إعلان موريتانيا للقضاء علي الرق و كل الممارسات ذات الصلة سنة 1981م و إصدار الأمر القانوني 83-127 الصادر بتاريخ 5 يونيو 1983 المتضمن للنظام العقاري الجديد الذي القي الحيازة التقليدية للأراضي و تجريم العبودية سنة 2007 م و إقرار القانون 031- 2015 الذي اعتبر العبودية جريمة ضد الإنسانية غير قابلة للتقادم فقد بقيت تداعياته الإقتصادية و الاجتماعية.
ويُمثّل ملف الحراطين وتحقيق المساواة الفعلية لهم في الحقوق والفرص أحد أكبر الرهانات أمام الدولة.
1. إشكالية توزيع السلطة والثروة
حيث يُشكو البعض من غياب التمثيل العادل لجميع مكونات الشعب في هياكل الدولة والمناصب الحكومية الرفيعة. ويُغذي هذا الشعور بالغبن مشاعر الإقصاء ويُعمّق الاحتقان الاجتماعي.
2. التحديات الاقتصادية والاجتماعية
لا تزال نسب الفقر والبطالة، لا سيما في أوساط الشباب، تُلقي بظلالها الثقيلة على الاستقرار الاجتماعي. وتُضاف إلى ذلك مشكلات التصحر والأمن الغذائي والاكتظاظ في المدن الكبرى.
1. التحديات الأمنية الإقليمية
يجعل الموقع الجغرافي الحساس لموريتانيا بين منطقتي الساحل والمغرب، وتفاقم الأزمات في مالي والنيجر وغيرهما، إدارة التهديدات الأمنية والإرهابية تحدياً استراتيجياً دائماً يستنزف الموارد ويُقيّد هامش التنمية.
في مواجهة هذه التحديات المتشعبة، ليس ثمة رفاهية للانقسام ولا ترفٌ في التباغض. إن انسجام مكونات الشعب الموريتاني وتلاحمه ليس شعاراً يُرفع في المهرجانات، بل هو شرط البقاء وعماد النهضة.
إن الوحدة الحقيقية لا تعني طمس الهويات ولا إسكات الأصوات، بل تعني بناء فضاء مشترك تُطرح فيه المظالم على طاولة الحوار الصريح بدلاً من تخزينها في صدور مغتاظة. إنها تعني الاعتراف الصادق بالجراح التاريخية ومعالجتها بجرأة وشجاعة دون إفراط في الانتقام ودون تفريط في العدالة.
تاريخ الأمم يُعلّمنا أن ما بُني على اللاوحدة لم يصمد، وأن ما تشيّد على الانسجام والتراضي كان قادراً على مواجهة أعتى العواصف. وموريتانيا اليوم أحوج ما تكون إلى أبنائها جميعاً: إلى عقولهم وطاقاتهم وإبداعهم، لا إلى تناحرهم وتشظّيهم.
إن الحفاظ على مكتسبات الدولة من سيادة وأمن ومؤسسات واستقرار نسبي مسؤوليةٌ جماعية. فهذه المكتسبات ليست ملكاً لفئة دون أخرى، بل هي رصيد الأمة بأسرها، وتبديدها بالصراعات الداخلية ستكون كارثةً لا تستثني أحداً.
و هنا لا يكفي الانسجام الشعبي وحده مهما بلغت قيمته، ما لم تواكبه إرادة سياسية راسخة من القيادة.في هذا الصدد فان النظام الجمهوري الموريتاني يمنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة ومسؤوليات جسيمة في إدارة الشأن العام وقيادة التحولات الكبرى.
من هنا تتأكد أهمية أن يستثمر فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني هذه الصلاحيات لاتخاذ قرارات تاريخية جريئة تُعيد تأسيس العقد الاجتماعي على أسس أكثر صلابةً وعدالة. ولعل أبرز هذه القرارات ضرورةً وإلحاحاً:
هو إطلاق الحوار الوطني الشامل الذي يضم جميع الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والمدنيين، يُعالج بصراحة ملفات الوحدة الوطنية، والمصالحة التاريخية، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وضمان التمثيل العادل. ليس حواراً للتجميل الإعلامي، بل لوضع الأسس الفعلية لعقد اجتماعي جديد.
و هو ما يضمن اعادة تأسيس الجمهورية علي أسس صحيحة من خلال مراجعة دستورية وهيكلية شاملة تُقرّ بالتنوع الإثني واللغوي وتُعامله باعتباره ثروةً لا عبئاً، وتُرسي ضمانات دستورية فعلية لمكافحة التهميش والإقصاء.
و حسب إعتقادنا انه لا توجد انطلاقة حقيقية نحو المستقبل دون الجرأة على مواجهة الماضي, كما أن الاعتراف بالمظالم التاريخية ، وتبنّي خطاب رسمي صريح في شأنها مع إجراءات تعويضية وترميمية فعلية، هو الطريق الوحيد لتضميد الجراح وغلق الأبواب المشرعة على الاستياء.
و هو شرط اساسي لبناء دولة تعلو فيها المواطنة على الانتماءات القبلية والعرقية، حيث يشعر كل موريتاني أيّاً كان أصله أو لونه أو ثقافته بأنه شريك كامل في الوطن، يحمل نفس الحقوق ويتحمّل نفس الواجبات.
و الخلاصة فإن موريتانيا أولاً ـ ليس شعار إقصاء بل هو دعوة احتواء. دعوة إلى أن نضع الوطن فوق الحسابات الضيّقة والهويات الفرعية، وأن نُدرك أن انهيار الدولة ليس في مصلحة أحد، فيما بناؤها على أسس سليمة هو في مصلحة الجميع.
فالبلاد اليوم بكل ما تحمله من ثقل تاريخي و من تحديات حاضرة و ما تختزنه من طاقات كامنة أمام مفترق طرق حقيقي ، و الإختيار الحكيم يقتضي شجاعة الحوار وً رحابة الإعتراف و بعد نظر المسؤولين .
ان الإنطلاقة الجديدة ممكنة و ان مشروع الجمهورية قادر علي الإكتمال و ذلك شريطة أن يقرر الجميع قيادة و شعباً أن يضعوا موريتانيا ” اولاً ” في سلم الأوليات و فوق كل اعتبار .




