المؤتمر الصحفي لرئيس الجمهورية فرصة لتقديم تحليل موضوعي لاوضاع البلد.. / امتو بنت عبد المالك

ليس من المألوف في المشهد السياسي أن يفتح رئيس الدولة صدره لسيل من الأسئلة المباشرة، بمختلف مستوياتها، وأن يخصص لها الوقت الكافي للإجابة دون استعجال أو تردد. لذلك، فإن اللقاء الإعلامي الأخير الذي جمع فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، بممثلي وسائل الإعلام الوطنية، يستحق أن يُقرأ بوصفه تجربة اتصالية مهمة، لا من زاوية المضمون السياسي فحسب، بل أيضًا من زاوية الأداء الإعلامي.

لقد بدا الرئيس واثقًا من نفسه، متمكنًا من الملفات المطروحة، حاضر الذهن، دقيقًا في استحضار الوقائع والمعطيات، وهو يجيب عن أسئلة تنوعت بين الحديث عن المأمورية، ومكافحة الفساد، وقانون الرموز، ورؤيته للشباب، وقضايا الشأن العام. وما لفت الانتباه أكثر هو أن إجاباته لم تكن مقتضبة أو إنشائية، بل جاءت شارحة ومفسرة، تحاول الإحاطة بكل سؤال من مختلف جوانبه، وكأنه كان يحرص على ألا يترك فراغًا قد يفتح بابًا للتأويل أو سوء الفهم.

كما أظهر قدرة واضحة على إعادة صياغة بعض الأسئلة وتوجيهها نحو ما يراه أكثر أهمية وفائدة للرأي العام، وهي مهارة اتصالية تعكس خبرة في التعامل مع الإعلام، ولا غرابة في ذلك، وهو الذي كانت له تجربة سابقة في العمل الإذاعي، وهي تجربة وإن لم تطل، فإن أثرها بدا جليًا في طريقة إدارة الحوار، وفهم طبيعة السؤال الإعلامي، وكيفية مخاطبة الجمهور عبر الصحافة.

غير أن نجاح أي لقاء صحفي لا يُقاس فقط بجودة الإجابات، وإنما أيضًا بمستوى الأسئلة. وهنا، أجد نفسي مضطرة إلى تسجيل ملاحظة مهنية على أداء بعض الزملاء الصحفيين. فقد بدت بعض الأسئلة وكأنها لم تُبنَ على تحضير كافٍ أو بحث معمق، وهو ما أضعف قيمتها المهنية، وأفقدها فرصة انتزاع معلومات أكثر أهمية وإفادة للرأي العام.

وفي المقابل، اتسمت بعض المداخلات بجرأة تجاوزت في بعض لحظاتها الحدود التي تفرضها أخلاقيات الحوار مع رئيس الدولة. فالصحافة الحرة لا تتعارض مع الاحترام، بل إن قوة السؤال تكمن في دقته وعمقه، لا في حدته أو نبرته. كما حضرت أسئلة أخرى بدت أقرب إلى البساطة المفرطة، فلم تستثمر الفرصة النادرة التي أُتيحت للإعلام الوطني.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال بعض النماذج المتميزة التي عكست شخصية مهنية ووعيًا بطبيعة اللحظة. ومن أبرزها السؤال المتعلق بمستقبل العلاقات الاقتصادية بين موريتانيا والمملكة العربية السعودية، والذي جاء واضحًا ومحددًا، ثم صاحبه بدأ مداخلته بالدعوة إلى جعل هذه اللقاءات تقليدًا دوريًا، وهي دعوة أجدها جديرة بالاهتمام، لأنها تعزز الشفافية، وتمنح الإعلام الوطني مساحة أكبر لممارسة دوره في مساءلة المسؤولين وإيصال انشغالات المواطنين.

لقد أكدت هذه الخرجة الإعلامية أن امتلاك المسؤول للمعلومة، وقدرته على الحوار، عنصران أساسيان في نجاح أي لقاء. لكنها أكدت أيضًا أن الإعلامي لا يقل مسؤولية عن محاوره؛ فالسؤال الجيد نصف الخبر، بل قد يكون مفتاحًا لاكتشاف حقائق لا تظهر إلا لمن أحسن الإعداد، وأتقن فن الإنصات، وصاغ سؤاله بذكاء ومهنية.

وأخيرًا، فإن من مصلحة الدولة، والإعلام، والرأي العام، أن تتكرر مثل هذه اللقاءات بوتيرة منتظمة، لأنها تكرس ثقافة التواصل المباشر، وتمنح الصحافة الوطنية فرصة لتطوير أدواتها، كما تمنح المسؤول فرصة لشرح السياسات وتوضيح المواقف أمام المواطنين. أما الرسالة الأهم التي خرجت بها من هذا اللقاء، فهي أن الممارسة الإعلامية الحقيقية لا تُختبر في كثرة الأسئلة، وإنما في جودة السؤال، وأن احترام المقام لا ينتقص من حرية الصحفي، كما أن الجرأة الحقيقية لا تكون في رفع الصوت، بل في قوة الفكرة، وعمق التحليل، وحسن الأداء.

مقالات ذات صلة