فتوى للقرضاوي في حكم الختان للرجال. والنساء…!!

السؤال: ما بين الحين والآخر تثار قضية ختان الإناث وكأن هذا الأمر هو سر انتكاسة الأمة، وقد أبدى السائل تعجبه ممن ينكر شرعية الختان بحجة أنه لم يرد فيه نص صحيح وأن ما ورد فيه من أحاديث لا أصل لها. وأضاف نرجو أن توضحوا لنا موقف الشرع من هذا الأمر، نسأل الله تعالى أن يلهمكم الرشد والصواب..

جواب فضيلة الشيخ القرضاوي:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

من سنن الفطرة: الختان. وهو قطع القلفة من الذكر، والنواة من الأنثى.

وقد اختلف الفقهاء في حكمه بالنسبة للذكور وللإناث.

فذهب الحنفية والمالكية ـ وهو رواية عن أحمد، ووجه شاذ عند الشافعية ـ إلى أن الختان سنة في حق الذكور، وليس بواجب. ولكنه من سنن الفطرة، ومن شعائر الإسلام. فلو اجتمع أهل بلدة على تركه، لوجب على إمام المسلمين أن يحاربهم، كما لو تركوا سنة الأذان. يعنون أنه من السنن الشعائرية التي يتميز بها المسلمون من غيرهم.

وللختان كثير من الفوائد الصحية والجنسية، نبه عليها الأطباء المختصون والمهتمون:

1- فهو يمنع الأقذار عن الذكر؛ لأن هذه الأقذار تتجمع تحت القلفة، وتصبح بيئة لتوالد الميكروبات والروائح الكريهة.

2- ويقلل الختان من احتمالات إصابة الذكر بمرض الزهري، حيث ثبت أن ميكروب هذا المرض يتخير القلفة بالذات للنمو بها.

3- كما أن القلفة نفسها، كثيرا ما تتعرض أثناء الاحتكاك والمجامعة للتسلخ والجروح، ثم تصبح عرضة للالتهاب.

4- كذلك ثبت أن الختان يقلل من إمكانية إصابة الذكر بالأورام الحميدة والسرطان بأنواعه.

5- ومن أهم فوائد الختان للرجل: هو مساعدته على الإطالة أثناء المجامعة. وتعليل ذلك: أن المنطقة الأكثر حساسية في العضو الذكري هي الرأس، ففيها تتركز خلايا الجنس والأعصاب، وعند وجود القلفة حول الرأس، فإنها تمنع عنه الاحتكاك الخارجي؛ مما يجعل الذكر شديد الحساسية عند أي تلامس.

أما إذا قصت القلفة، وأزيلت من حول الرأس، فإن هذا الجزء الحساس يصبح أقل حساسية بسبب احتكاكه الدائم بالملابس، مما يفقد الخلايا العصبية جزءا كبيرا من حساسيتها؛ ولهذا فإن الختان يجعل الرجل أكثر قدرة على الإطالة في المجامعة.

وهذه الفوائد التي ذكرها الأطباء تؤكد حكمة الإسلام في شرعية الختان وتأكيده في حق الرجال.

أما ختان النساء فقد اختلفوا فيه:

فهو مندوب في حق المرأة عند المالكية. وعند الحنفية ـ والحنابلة – في رواية ـ يعتبر ختان المرأة مكرمة وليس سنة.

وذهب الشافعية والحنابلة ـ في الرواية الأشهر ـ إلى أن الختان واجب على الجنسين: الذكر والأنثى جميعا.

واستدلوا على وجوبه بقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (النحل:123).

وقد ثبت في الصحيحين: أن إبراهيم عليه السلام اختتن وهو ابن ثمانين بالقدوم. واختلفوا: هل “القدوم” اسم بلد بالشام، أو هي آلة النجار المعروفة؟

وناقش بعضهم الاستدلال بالآية على الوجوب، وقال النووي: الآية صريحة في اتباعه فيما يفعله، وهذا يقتضي إيجاب كل فعل فعله، إلا ما قام الدليل على أنه سنة في حقنا كالسواك ونحوه.

كما استدلوا بأنه لو لم يكن الختان واجبا لما جاز كشف العورة من أجله للخاتن. وأُورد على هذا الاستدلال: أنه يجوز كشف العورة للمداواة التي لا تجب، ما دامت المصلحة فيها راجحة على المصلحة في المحافظة على المروءة وصيانة العورة.

واستدل بعضهم: أن الختان من شعار المسلمين فكان واجبا، كسائر شعاراتهم.

وهناك قول ثالث، ذكره ابن قدامة في “المغني” وهو: أن الختان واجب على الرجال، ومكرمة في حق النساء، وليس بواجب عليهن.

وأنا أرجح القول الأول، الذي يرى أنه سنة شعائرية مميزة بالنسبة للرجال، ومكرمة للنساء، وأرى أنه قريب من القول الثالث الذي يرى وجوبه على الرجال، مما يرى أنه سنة شعائرية يقاتل على تركها، فقد اقترب من الوجوب.

على أن أدلة الوجوب كلها لا تسلم من المناقشة، والأمر باتباع ملة إبراهيم لا يعني الأمر باتباع جزئيات شريعته وتفاصيلها، ولهذا لم يذكر في القرآن أي شيء عن هذه الفرعيات، إنما المراد: اتباعه في إقامة التوحيد والدفاع عنه، والدعوة إليه بالحجة والحكمة، كما نرى ذلك في دعوة إبراهيم لأبيه وقومه، ورده على محاجتهم له، ومبادرة إبراهيم في التسليم لأمر الله، كما في ذبح ولده إسماعيل. فالاتباع في هذا هو المطلوب، وقد قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} (الممتحنة:4).

وعلى أية حال، نرى المسلمين عامة لا يقصرون في الختان للذكور في جميع الأقطار.

ولكن القول بالوجوب قد يكون فيه تشديد على الداخلين الجدد في الإسلام. وقد حدثني وزير الشؤون الدينية في إندونيسيا في أول زيارة لي إليها في أواسط السبعينيات من القرن العشرين: أن قبيلة كبيرة من قبائل إندونيسيا أرادوا الدخول في الإسلام، فاتصل زعماؤهم ببعض كبار المشايخ من المسلمين، ليعرفوا منهم: ماذا يطلب منهم من طقوس للدخول في دين الإسلام. فما كان من هؤلاء المشايخ إلا أن قالوا لهم: أول ما يطلب منكم أن تختتنوا جميعا!

وكانت النتيجة المؤسفة أن القوم توجسوا من هذه الجراحة الجماعية، وأعرضوا عن الإسلام، وخسرهم المسلمون، وبقوا على الوثنية البدائية.

وذلك أن مذهب هؤلاء المشايخ هنا هو المذهب الشافعي، وهو أشد المذاهب في قضية الختان.

ومعنى أنه مكرمة: أنه شيء مستحسن عرفا لهن، وأنه لم يجئ نص من الشارع بإيجابه ولا استحبابه.

رأينا في ختان النساء

ورأيي: أن كل ما استدلوا به على الوجوب أو السنية لا يدخل فيه النساء.

ولا يوجد دليل صحيح من الأحاديث يدل على الوجوب أو السنية بالنسبة لهن. أما حديث “إذا التقى الختانان وجب الغسل” فهو يدل على أن النساء كن يختن، أي على جواز الختان، وهو ما لا نجادل فيه، إنما نجادل في الوجوب أو السنية.

وأما حديث أم عطية عند أبي داود: أن امرأة كانت تختن بالمدينة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تنهكي، فإن ذلك أحظى للمرأة، وأحب إلى البعل” فإن أبا داود قال عن محمد بن حسان ـ أحد رواته ـ مجهول، والحديث ضعيف.

وقد روي هذا الحديث من طرق كلها ضعيفة، وإن صححه بتعددها الشيخ الألباني، ولكن في النفس شيء من هذا التصحيح، فإن هذا أمر يهم كل بيت مسلم، وهو مما تتوافر الدواعي على نقله، فلماذا لم ينقل إلا بهذه الطريقة الضعيفة؟

على أننا لو سلمنا بصحة الحديث، فما الذي يفيده هذا الأمر النبوي: أهو أمر إيجاب أم أمر استحباب أم أمر إرشاد؟ الأرجح أن الأمر في مثل هذه الأمور للإرشاد، ولا يدل على أصل الوجوب أو السنية، لأنه يتعلق بتدبير أمر دنيوي، وتحقيق مصلحة بشرية للناس، حددها الحديث بأنها: نضارة الوجه للمرأة، والحظوة عند الزوج. فهو يرشد ـ عند وقوع الختان ـ على استحباب عدم الإنهاك والمبالغة في القطع، لما وراء ذلك من فائدة ترتجى، وهو أنه أحظى للمرأة عند الجماع، وأحب إلى زوجها أيضا. ولكنه يدل على إقرار الخاتنة على هذا الختان أو الخِفاض ـ كما يسمى ـ وأنه أمر جائز، وهو ما لا ننكره.

على أن الذي أراه وأرجحه هنا: أن الختان للبنات ليس بواجب ولا سنة، وإنما هو أمر جائز مباح، والمباحات يمكن أن تمنع إذا ترتب على استعمالها ضرر، بناء على قاعدة: “لا ضرر ولا ضرار”. كما يمكن أن تبقى وتطور ويحسّن أداؤها، وهو ما أشار إليه حديث “أشمي ولا تنهكي”.

وهذا أمر يجب أن يخضع للبحث والدراسة، فإذا أثبتت الدراسة الموضوعية من قبل الخبراء والمتخصصين المحايدين، الذين لا يتبعون هواهم، ولا أهواء غيرهم: أن الختان يضر بالإناث، ضررا مؤكدا: وجب إيقاف هذا الأمر، ومنع هذا المباح، سدا للذريعة إلى الفساد، ومنعا للضرر والضرار.

وإذا ثبتت الحاجة إليه لبعض الإناث، وفق تشخيص الطبيب المختص: وجب أن تستثنى تحقيقا للمصلحة ودرءا للمفسدة.

فالذي نخرج به من هذا: أن الختان للمرأة مباح بشرط عدم الإنهاك والمبالغة في القطع، وإنما يقطع منها شيء من الطرف.

وإذا كان من الأمور المباحة، فإن المباحات قد تمنع أحيانا لمصلحة راجحة، كما تمنع إذا كان في بقائها مفسدة خاصة أو عامة.

مقالات ذات صلة

%d مدونون معجبون بهذه: